آخر الاخبار

shadow

صراع الحماة

علي الشكري

يعد القضاء العراقي من اقدم وارصن المؤسسات القضائية العالمية والعربية ، فيه ولد كبار القضاة ومنه خرجت تأسيسات المبادىء القانونية والقضائية التي راحت معتمدة في عالم القضاء ، ليس ادق من الحكم الصادر عنه لاسيما العالي ، وليس اكثر منه رصانة في  الصياغة وسمواً في اللغة ، على هديه سار القضاء العربي في التسبيب ، وذهبت عدالة وحيادية أعضائه مثلاً يضرب ، بل راحت بعض نماذجه تذكر في تاريخ القضاء . حاولت النظم العسكرية المتعاقبة  المساس به نيلاً واستهدافاً وضغطاً ، لكنه ابى الا أن يبقى محايداً حامٍ للحقوق مدافعاً عنها ذائداً عن المظلوم ، ومثل هذه المحاولة طرقها المحتل بلحاظ أنها الخطوة الأهم للتمكن من العراق وشعبه ، لكنه اصطدم بسد منيع حيث وقف المستهدف صامداً فضلاً عن ذود اصحاب القرار ، من هنا ظل القضاء في منأى عن التأثير ، لم تتسرب اليه التدخلات السياسية ولم تضعف صموده التأثيرات الحزبية وظلت شبهة الفساد عصية عليه ، وبالقطع أن التعميم محال والإطلاق غير محبذ ، فالقاضي بشر قد ينحرف القليل منه ، لكن المبدأ في الأصل لا في الاستثناء . يمر العراق اليوم في أخطر منعطف بتاريخه المعاصر وتحديداً ذلك الذي أعقب الاحتلال سنة 2003 فالشارع متحرك لا يهدأ ، والحياة راحت معطلة في عديد المحافظات ، والمرجعية الدينية العليا ترى أن الشعب المنتفض لن يقبل بأقل من الاصلاح ، فقد سالت الزاكيات من الدماء حتى روت ارض جدبت طلباً للحياة الحرة الكريمة وانتفاضا لكرامة وطن مست من الخارج وايدٍ تلطخت بالمال العراقي المهدور . وراح بعض مراهقي السياسة يراهنون على عنصر الزمن وطول الأمد والظروف الجوية وقلت التمويل وشح الامداد ، ومن راهن على الجزئيات لوئد الكليات والمفصليات التي خرج من اجلها الشعب جاهل بسايكلوجية الشعب العراقي ، فليس أكثر من العراقي كرامة وغيرة وشرفاً وقدرة على المطاولة ، وعلى خطأ من ظن أن العراقي استسلم للقائم والمفروض ، نعم ليس أكثر منه تسامحاً وتجاوزاً عمن اساء اليه وغبن حقه واخطأ في مواجهته ، وليس أطول منه صبراً على الملمات والقاهرات ، لكن غضبه يسقط ونيرانه تحرق وخروجه متحرك ، في سكونه حلم وفي هدوئه تأمل وفي مهادنته فرصة ، إن استنفذ وانتفض لن توقفه التحصينات ولن تحسر مده العائقات ولن تمنعه المصدات ، لن يعود الا بتحقيق ما خرج من أجله ، الكرامة عنده خط لا يمكن تجاوزه ، والسمعة غير مسموح المساس بها ، كرامة الوطن فوق الميول والاتجاهات ، حقق في حركاه التصحيحي الكثير فقد أقال حكومة وحل مفوضية واستبدلها بأخرى بعد ان يأس البعض من المحاولة وألغى قانون واستبدله بآخر فانجز الاصعب والأشق ولم يبقَ له الا اليسير وهو قادر مقتدر . وفي وسط هذا الوطيس المحتدم فإذا بخلاف الكبار يطفو على السطح ويظهر للواجهة ، فمجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية العليا قمةالهرم القضائي العراقي ، وهما حماة الدستور والوطن والمواطن ، فيهما الحكم والمعتصم ، في خلافهما ضعف وفي نزاعهما خدش وفي قراراتهم البينية المتضادة خذلان للمواطن الذي راح يركن إليهما في زمن الفتنة والشدة والأزمة . يقيناً أن خلافهما فقهي مبدئي قانوني موضوعي وليس كما يظن البعض شخصي ذاتي ، وحيث أن الخلاف على الموضوع وبقصد الترصين فهو خلاف محمود ، لكن الوطن أسمى ومصلحة المواطن مقدمة على كل الاعتبارات ، ويقيناً أن تباين الرؤى سوف لن تصب الا في مصب قضاء أقوى قادر على أن يكون حامي وملجأ وذائد ، فالكبير بتأسيسه ومسيرته لن يكون قابلاً بالوقوف الا في صفوف الكبار ، وهذا هو شأن القضاء العراقي أبداً . لقد طال الخلاف والشك والوهن كل مفاصل الدولة الا ما ندر ، فعجلة التعليم تسير متقهقرة الى الخلف ، حتى راح التصنيف العالمي يضع العراق في مجموعة المنسين والأكثر تخلفا كالصومال واليمن والسودان ، وراح الواقع الصحي في العراق ينافس البلدان الأقل تطورا ورعاية في تراجعه ، ويقيناً أن بلد يحتل المراتب الأكثر تراجعاً في الصحة والعلم بلد دق فيه ناقوس الخطر ، فإذا ما لحق به القطاع الحامي للحقوق المدافع عن المظلومين الفاصل بين المتخاصمين ، سيكون بلد مهدد لا سامح الله بخطر الفوضى والاضطراب والانقسام ، بلحاظ أن خارق القانون ومرتكب الجرم وسارق المال العام ، يترقب الخرق لينفذ منه وليس اكبر منفذاً من صراع الكبار البيني . على الكبار المتخاصمين موضوعاً تغليب صوت الوطن على الاعتقادات الجزئيات ، فالاختلاف الموضوعي قابل للحل لا محال وأن احتكم ، لكن هدر المصلحة العليا ، وضياع حق المظلوم ، ونفاذ الظالم ، ظلامات لا يمكن تبريرها ، فهدر المفاسد أولى من جلب المنافع ، وفي زمن الفتنة على الجميع التنازل للجميع ، ولا مصلحة مقدمة ولا معتبرة إذا ضاع الوطن وتفشى الفساد وسادت الظلامات ، ويقيناً أن قضاء قوي متماسك كفيل بحماية الوطن ومن عليه

احكام وقرارات المحكمة الاتحادية العليا مترجمة الى اللغة الانكليزية

shadow

ارشيف جريدة الوقائع العراقية للاعوام (2003 - 20019)

shadow

مواضيع ذات صلة