آخر الاخبار

shadow

التعطيل الفعلي لبعض نصوص دستور جمهورية العراق 2005

د.علاء ابراهيم محمود الحسيني

وضع الدستور بالعادة ليطبق بوصفه القانون الأهم في البلاد والذي يرسم شكل الدولة ونظام الحكم فيها ويحدد سلطاتها العامة وعلاقتها بعضها بالبعض الآخر، وكذلك علاقتها بالأفراد، ويحدد بشكل دقيق الاختصاصات والمسؤوليات والتوازن بين تلك السلطات، وهذا ما اجتهد على تضمينه واضعي الدساتير حول العالم في الوثيقة الدستورية ومنها دستور جمهورية العراق 2005، وان أي نص يرد يكون مساوي ومكافئ للنصوص الأخرى وواجب النفاذ، ويشار إلى ان مبدأ أعلوية الدستور يتصل بما تقدم، حيث ورد في المادة (الثالثة عشرة) النص على اعتبار الدستور القانون الأسمى والأعلى في البلاد وبطلان أي نص يتعارض مع أحكامه يرد في دساتير الأقاليم أو التشريعات الاتحادية أو الإقليمية أو المحلية،

ولضمان العلوية لابد من أن تنفذ القاعدة الدستورية في حق الجميع ولاسيما الهيئات العامة التنفيذية والتشريعية وبما ان المادة (144) نصت على نفاذ الدستور بعد موافقة الشعب عليه بالاستفتاء الدستوري ونشره في الجريدة الرسمية وتشكيل الحكومة بناءً على ما تضمنه من أحكام إذن صار لزاماً نفاذ الدستور وأضحى من الواجب التساؤل عن ضمانات نفاذ الدستور، ويخضع نفاذ الدستور أو غيره من القواعد القانونية لمبادئ قانونية متفق عليها نستعرضها وفق الآتي:

أولاً: معنى النفاذ:

أي البدء بإنتاج الآثار القانونية حيث تصدر القاعد أياً كان شكلها (دستور أو قانون أو قرار) لكنها قد لا تبدأ بتحقيق الآثار المقصودة من ورائها إلا من تاريخ محدد كما لو ورد النص على بدأ سريان القانون بعد ستين يوماً من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية للدولة.

أما لو نص القانون أو الدستور على نفاذه في حق الجميع بالنشر أو ما سواه من الإجراءات فبذلك سيكون نافذا ومنتجاً لأثاره كاملة بمجرد النشر، والدستور لا يخرج عما تقدم فكل مادة دستورية تحمل في ثناياها أثار قانونية محددة وتنشأ مراكز قانونية تنظيمية محددة كمركز رئيس الجمهورية من حيث واجباته وحقوقه واختصاصاته بما يمثل توصيف كامل لهذا المنصب السيادي، وللبدء بالعمل بهذه الآثار لابد من النفاذ بحق السلطة الحاكمة القائمة والأفراد وغيرهم.

ثانياً: أهم القواعد المتصلة بالنفاذ:

1- الأصل بالنفاذ ان يكون من تاريخ النشر بالجريدة الرسمية للدولة إلا ان دستور العراق 2005 أضاف شرطاً بتشكيل الحكومة وفق المادة (76) منه، ولا يخفى على الجميع ان الغاية من النشر هي تحقيق العلم بالقواعد القانونية ليصار إلى تنفيذها وعدم سماع أي مقولة تناقض العمل بها بحجة عدم العلم.

2- عدم السريان بأثر رجعي: فالقاعدة الدستورية تنظم أحكام السلطات العامة للمستقبل فحسب ولا تنظم ما سبق صدورها كونه كان محكوماً بوثيقة دستورية كانت نافذة، ومن العدالة عدم المساس بالمراكز والتنظيم السابق كونه تم وانتهى وفق أسس قانونية يفترض أنها كانت سليمة ما لم ينص الدستور على رجعية بعض أحكامه بشرط ان لا تتعلق بالسلطات العام من حيث التشكيل أو الاختصاصات إنما يمكن النص على رجعية بعض التنظيمات المتعلقة بالعدالة الانتقالية وما سواها.

3- عدم إرجاء بعض الآثار للمستقبل بلا سند من الدستور أو القانون أي ان تعطل بعض الأحكام القانونية، وإلا ما الغاية من النص عليها ان كانت الحاجة إليها لم تحن بعد، وفي دستور العراق 2005 اختار المشرع الدستوري ان يعطل بعض الأحكام بطرق مختلفة منها:

أ‌- أرجئ بعض الأحكام إلى الدورات البرلمانية القادمة أي بعد الأولى التي تتشكل وفق الدستور الجديد ومنها ما ورد بالمادة (138) من تعطيل لأحكام منصب رئيس الجمهورية في الدورة الأولى بعد نفاذ الدستور أي لأربع سنوات بتشكيل مجلس رئاسة، وتعديل بعض أحكام الدستور وفق المادة 126 حيث أورد المشرع حظراً زمنياً على تعديل الحقوق والحريات.

ب‌- تم تعطيل تشكيل مجلس الاتحاد بموجب المادة (65) التي علقت الأمر على صدور قانون عن مجلس النواب بأغلبية الثلثين، ولم يصدر لغاية الآن.

ت‌- تم تعطيل بعض السلطات العامة لاسيما الهيئات المستقلة بربطها بضرورة صدور قانون مثل المواد (105-107) كالهيئة المختصة بضمان حقوق الأقاليم أو المحافظات غير المنتظمة في إقليم ومجلس الخدمة والتي سنت قوانينها فيما بعد إلا إنها لا زالت معطلة فعلياً عن القيام بواجباتها الدستورية.

مما تقدم نجد ان أحكام الدستور العراقي التي يفترض بها النفاذ الكامل والشامل بلا استثناء معطلة بحكم الدستور أو الواقع وهذا خلاف إرادة الهيئة التأسيسية الأصلية أي الشعب الذي وافق على الدستور جملة ولا يقبل بتجزئة أحكامه حسب الأهواء والرغبات.

فمما يؤسف له ان الكثير من أحكام الدستور باتت معطلة فعلياً وواقعياً فالتعطيل الفعلي هو وقف العمل ببعض أحكام الدستور دون ان يعلن ذلك بشكل صريح ويمكن ملاحظة هذا التعطيل من خلال دراسة الواقع المؤسسي والسياسي للدولة ومقارنته مع النصوص الدستورية فان وجد الاختلاف فهذا يعني التعطيل الفعلي للنصوص الدستورية ولنعطي لما تقدم مثال: نصت المادة (122) من الدستور التي نظمت أحكام المحافظات غير المنتظمة في إقليم والتي يفترض ان تدار من قبل مجلس محافظة منتخب، إذ أقد البرلمان العراقي على سن القانون رقم (27) لسنة 2019 بتعديل قانون انتخاب مجالس المحافظات والأقضية رقم (12) لسنة 2018 ونص في المادة (44) على "إنهاء عمل مجالس المحافظات والأقضية والنواحي التابعة لها" وبهذا تتعطل إحدى أهم بنود الدستور التي تتصل بالمبادئ التي يقوم عليها دستور 2005 بوصفه أخذ بالنظام الديمقراطي والديمقراطية المحلية لها دور كبير جداً في ترسيخ السلوك الواعي للجماهير المتصل بحقوقهم وحرياتهم السياسية على المستوى المحلي ثم الانتقال إلى المستوى الوطني ككل.

ومن النصوص المعطلة أيضاً نص المادة (119) الخاصة بتكوين الأقاليم حين رفضت الحكومة علنا قبل سنوات السير بإجراءات تشكيل الأقاليم وفق الدستور وقانون الإجراءات التنفيذية لتشكيل الأقاليم رقم (13) لسنة 2008، وكذلك نص المادة (92) الخاص بتشكيل المحكم الاتحادية العليا وفق ما ورد بالدستور فالأمر معلق على صدور قانون يبين كيفية اختيار الأعضاء وعددهم وما شاكل من أحكام بيد إن القانون لم يصدر بعد، والمادة (111- 112) المتعلقة بإدارة النفط والغاز فلم يصدر قانون بعد وأعتمد الأمر على اجتهادات شخصية في إقليم كردستان بالتصرف بشكل مستقل عن المركز بثروة البلاد من النفط وما جرى من اتفاقات سياسية لا إلزام لها ولا أثر من الناحية القانونية ولا يخلوا الأمر من المجاملة فحسب.

والسؤال المطروح ما هي ضمانات عدم تعطيل الدستور العراقي فعلياً؟ للإجابة نحدد أهم الضمانات وفق الآتي:

أولاً: مبدأ الفصل بين السلطات الذي تضمنته المادة (47) من دستور 2005 وجرى نصها بـ(تتكون السلطات الاتحادية من السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، تمارس اختصاصاتها ومهامها على أساس مبدأ الفصل بين السلطات) فتعدد السلطات داخل الدولة تعني تقسيم وظائف الدولة وتوزيعها بين أكثر من هيئة تتمتع بالاستقلال وباختصاصات محددة، كما ان الدستور العراقي اعتنق النظام البرلماني بالمادة الأولى منه ومن المعروف ان هذا النظام قائم على فصل السلطة التشريعية عن التنفيذية فصلاً مرناً يبقي أواصر التأثير المتبادل بينهما وصولاً إلى التوازن بين السلطتين، ويتحقق التوازن بما يملكه البرلمان من وسائل التأثير في عمل الحكومة من رقابة مشددة تبدأ بالسؤال البرلماني وتنتهي بالاستجواب وطرح الثقة وما تملكه الحكومة من وسائل تأثير في بعض النظم منها الغربية المتمثلة بالحل الحكومي للبرلمان، ولهذا يمكن بوسائل التأثير إنهاء حالة التعطيل كأن تقدم الحكومة العراقية على اقتراح مشروعات القوانين للموضوعات أعلاه المعطلة فعلياً.

ثانياً: الرقابة القضائية على أعمال السلطتين التشريعية والتنفيذية فهنالك الرقابة القضائية على دستورية القوانين الذي أشارت إليه المادة (93) من دستور 2005 حيث تختص المحكمة الاتحادية العليا برقابة ما يصدر عن البرلمان من قوانين بناءً على طعن من مجلس الوزراء أو أي من ذوي الشأن فان انتهت المحكمة إلى مخالفة القانون للدستور تقوم بإصدار قرارها الذي يترتب عليه إلغاء النص لكون المادة(94) تنص على أن أحكام المحكمة الاتحادية ملزمة للسلطات كافة.

وهنالك رقابة المحكمة الاتحادية على دستورية الأنظمة ومنها الأنظمة الأساسية المكملة للدستور كالنظام الداخلي لمجلس الوزراء رقم (2) لسنة 2019، أو النظام الداخلي لمجلس النواب لعام 2007 المعدل.

أضف إلى ذلك هنالك رقابة محاكم مجلس الدولة العراقي المؤسس وفق المادة (101) من الدستور على قرارات السلطة التنفيذية بدءً من رئيس الجمهورية إلى أصغر موظف تنفيذي حيث تختص محكمة القضاء الإداري ومحكمة قضاء الموظفين والمحكمة الإدارية العليا برقابة القرارات والأوامر الإدارية التنظيمية والفردية وتلغي ما خالف منها الدستور أو القانون أو بقية مصادر مبدأ المشروعية، وهذه الرقابة من شأنها ان تمنع أي التفاف على نصوص الدستور من شأنه ان يعطل حكم من أحكامه.

ثالثاً: رقابة الرأي العام:

وهي الرقابة الأهم والأنجع والأكثر فاعلية كونها تتمثل برد الفعل الاجتماعي على الأخطاء التي ترتكبها الهيئات العامة والمتمثلة بمخالفة النصوص الدستورية وللرأي العام محركات ووسائل تأثير على رأسها الصحافة الوطنية الصادقة والمنظمات غير الحكومية ومراكز البحث والتفكير.

احكام وقرارات المحكمة الاتحادية العليا مترجمة الى اللغة الانكليزية

shadow

ارشيف جريدة الوقائع العراقية للاعوام (2003 - 20019)

shadow

مواضيع ذات صلة