آخر الاخبار

shadow

حماية الملكية الخاصة في ضوء أحكام القضاء العراقي

القاضي سالم روضان الموسوي

من أهم المبادئ الدستورية التي وردت في دستور العراق لعام 2005 اعتبار الملكية الخاصة مصونة ولا يجوز انتزاعها إلا بتعويض عادل ولمقتضيات المصلحة العامة وعلى وفق ما جاء في الفقرتين (أولاً وثانياً) من المادة (23) من الدستور التي جاء فيها الآتي (أولاً: الملكية الخاصة مصونةٌ، ويحق للمالك الانتفاع بها واستغلالها والتصرف بها، في حدود القانون. ثانياً: لا يجوز نزع الملكية إلا لأغراض المنفعة العامة مقابل تعويضٍ عادل، وينظم ذلك بقانون) ويشير احد الباحثين إلى أن معظم الدول دأبت بالنص على حق الملكية الخاصة في دساتيرها. وذلك نظراً لأهمية هذا الحق. وحرصت على توفير الحماية له. لأن ذكر حق المكية الخاصة في الدستور ينتج عنه أثران هامان وهما: الأول من الناحية الإيجابية يوضح للفرد مدى قبول الدولة أو رفضها لهذا الحق بشكل رسمي أما الأثر الثاني هومن الناحية السلبية فإن النص على حق الملكية الخاصة يبين مدى شدة تلك القيود أو خفتها والتي تضعها أعلى وثيقة قانونية في تلك الدولة على هذا الحق كما أن المغزى من النص على حق الملكية الخاصة في الدساتير هو بهدف إثبات وجود الحق في التملك أصلاً، حتى يتمكن الأفراد من المطالبة بحقوقهم في حالة الاعتداء عليها سواء أكان هذا الاعتداء من قبل الأفراد أم من قبل السلطات العامة وفقاً لما حدده الدستور من نصوص واضحة تضمن هذا الحق. إن عدّ النص الدستوري ضامناً لحق الملكية الخاصة من عدمه، مرتبط بضمان نصوص الدستور كلها، أي باحترام الدستور نفسه، واحترام الدستور يجب أن يكون من قبل سلطات الدولة ومن قبل أفراد المجتمع أيضاً. فلا يمكن تصور وجود احترام للدستور عند سلطات الدولة وأفراد المجتمع لا يحترمون دستورهم الوطني[1]، و أصل فكرة وجود الدستور ظهرت لغرض حماية الحقوق وتنظيم اختصاصات السلطات والعلاقة فيما بينها كذلك فيما بين الفرد والدولة وأجهزتها مما منح الدستور مكانة سامية تعلو على جميع السلطات وتخضعها لأحكامها وهذا ما أدى إلى ظهور مبدأ سمو الدستور وقد نص عليه في صلب الدستور في بعض دساتير الدول ومنها دستور العراق لعام 2005 حيث جاء ذلك التأكيد في الفقرة (أولاً) من المادة (12) من الدستور التي جاء فيها الآتي (أولا: يُعدُ هذا الدستور القانون الأسمى والأعلى في العراق، ويكون ملزماً في أنحائه كافة، وبدون استثناء) وهذا المبدأ أصبح أمر مسلم به ويستند إلى مضمون القاعدة الدستورية وما تحتوي عليه من أحكام وقواعد موضوعية[2]، ولابد من ضمان هذه السيادة لأنها ستبقى مجرد معنى فارغ من أي مضمون وحبراً على ورق إذا كان بإمكان السلطات والهيئات المختلفة الخروج على القواعد الدستورية وخرق المبادئ الواردة فيه، لذلك فان أي نشاط أو فعالية لا تتفق مع الدستور لا يعتد بها[3]، وهذا يؤدي إلى إن أي قانون يصدر عنها لابد وان يلتزم بالمبادئ والأحكام التي وردت في الدستور وان لا تخالفه[4] وهذا الأمر منح الدستور سلطة أعلى من التشريعات وهذا المبدأ يسمى (سمو الدستور) ويقصد به علوية القواعد الدستورية وسيادتها على سائر القواعد القانونية النافذة ويكون النظام القانوني للدولة بأكمله محكوم بالقواعد الدستورية، لذلك هذا الاهتمام انعكس في تطبيقات القضاء العراقي لإن بعض التصرفات التي تصدر عن الأشخاص سواء كان شخصاً طبيعياً أو معنوياً أو من أشخاص القانون الخاص أو القانون العام بما فيهم مؤسسات الدولة ويحدث أن تتعدى على هذا الحق فكان للقضاء العراقي موقف حازم من صيانة هذا الحق والتصدي له عبر قرارات عديدة أهمها ما يتعلق بالأحكام الصادرة بمنع المعارضة على من يتجاوز على ملك الغير كما كان لها موقف تجاه من ينتزع ملكية العقارات من أصحابها حتى وان كانت لأغراض عامة ومن قبل مؤسسات الدولة وكان للقضاء العراقي بشقيه الاعتيادي والدستوري دور في صيانة هذا الحق وسأعرض بعض التطبيقات القضائية التي كانت تهتم بهذا الحق وعلى وفق الآتي :

أولاً : القضاء الاعتيادي (قضاء محكمة التمييز الاتحادية) :

إن الأحكام التي صدرت من محكمة التمييز الاتحادية التي تعتبر مرجع الطعن الأعلى في هرم القضاء الاعتيادي في العراق وان أحكامها تكون فاصلة ونهائية فكان لها موقف تجاه حق الملكية وإنها أكدت على ان حق الملكية الخاصة حق مقدس ومصون ولا يجوز نزع الملكية إلا بتوفر شرطين أساسيين الأول أن يكون لمقتضيات المصلحة العامة والثاني ان يكون بتعويض عادل وكانت في بعض قراراتها تستند إلى نص المادة (23) من الدستور العراقي النافذ وساعرضبعضها على وفق الاتي :

1. ما جاء في قرار لهيئة الموسعة المدنية في محكمة التمييز الاتحادية العدد 50/مدنية موسعة/2018 في 16/4/2018 الذي أكد وبوضوح موقف محكمة التمييز الاتحادية من قدسية حق الملكية الخاصة واعتبرت أي استيلاء على العقارات العادة للأفراد حتى وان كانت من قبل مؤسسات الدولة بمثابة الغصب لأنها اعتبرت إن الأصل العام عند قيام الإدارة بوضع يدها على الملكية الخاصة ومنها على الأغلب العقارات دون إتباع الإجراءات اللازمة المنصوص عليها في قانون الاستملاك يعتبر وضع اليد بهذه الصورة هو الغصب والغاصب ملزم برد العقار المغصوب ، وأشار القرار أعلاه بان هذا الحق مكفول بموجب مواد الدستور العراقي في المادة (23) التي اشر تاليها سلفا فضلاً عن النص القانون الوارد في المادة (1050) من القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 التي جاء فيها الآتي (لا يجوز أن يحرم احد من ملكه، إلا في الأحوال التي قررها القانون وبالطريقة التي يرسمها، ويكون ذلك في مقابل تعويض عادل يدفع إليه مقدما) ويزخر الإرث القضائي العراقي لمحكمة التمييز الاتحادية بعشرات القرارات التي تصدت فيها لحماية هذا الحق[5]، ومما جاء قي حيثيات قرار الهيئة الموسعة المدنية أعلاه النص الآتي (بأن حق الملكية الخاصة حق مقدس ومصون وفقاً للدستور والقانون. إذ أن دستور جمهورية العراق لسنة 2005 وفي الفقرة أولاً من المادة (23). أكد على إن الملكية الخاصة مصونة ويحق للمالك الانتفاع بها واستغلالها والتصرف بها وفقاً لأحكام القانون، كما إن الفقرة ثانياً من المادة (23) أسبغت الحماية الدستورية للملكية الخاصة وذلك بالنص على عدم جواز نزع الملكية إلا لإغراض المنفعة العامة مقابل تعويض عادل. كما إن نص المادة (1050) من القانون المدني قد جاء صريحاً بالنص على عدم جواز حرمان المالك من ملكه إلا في الأحوال التي يقررها القانون. وبالطريقة التي يرسمها ويكون ذلك في مقابل تعويض عادل يدفع له مقدماً ووفقاً للنصوص المتقدم ذكرها فان الأصل العام عند قيام الإدارة بوضع يدها على الملكية الخاصة ومنها على الأغلب العقارات دون إتباع الإجراءات اللازمة المنصوص عليها في قانون الاستملاك. يعتبر وضع اليد بهذه الصورة هو الغصب والغاصب ملزم برد العقار المغصوب)[6]،

2. كذلك عززت محكمة التمييز الاتحادية هذا الموقف الذي يتماها مع الأحكام الدستورية وينطوي تحت دورها في صيانة الحقوق وحمايتها من أي اعتداء وذلك بموجب قرارها العدد 134/هيئة مدنية موسعة/2019 في 20/5/2019 حيث جاء في هذا القرار الآتي (ن الملكية الخاصة مصونة بالدستور الذي يمثل الوثيقة القانونية العليا والتي تعد الأصل لجميع التشريعات القانونية التالية عليه حيث ورد في المادة 23 من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 }الملكية الخاصة مصونة ويحق للمالك الانتفاع بها واستغلالها والتصرف بها في حدود القانون ولا يجوز نزع الملكية إلا لأغراض المنفعة العامة مقابل تعويض عادل وينظم ذلك بقانون{ وعلى غرار ذلك نصت المادة 1050 من القانون المدني على انه }لا يجوز أن يحرم احد من ملكه إلا في الأحوال التي قررها القانون وبالطريقة التي يرسمها ويكون ذلك مقابل تعويض عادل يدفع اليه مقدماً{. مما يكون لدعوى المدعي/المميز سند من القانون)[7]

ثانياً : القضاء الدستوري (المحكمة الاتحادية العليا):

إما على مستوى القضاء الدستوري في العراق فانه لم يختلف عن اتجاهات القضاء الاعتيادي المتمثل بأحكام محكمة التمييز الاتحادية حيث تصدت المحكمة الاتحادية العليا لصيانة هذا الحق عبر الحكم بعدم دستورية بعض النصوص القانونية التي كانت تمثل اعتداء على هذا الحق وكان عملها القضائي باتجاهين الأول الحكم بعدم دستورية النصوص القانونية التي تجيز انتزاع الملكية الخاصة للأفراد دون تعويض عادل والثاني عبر قراراتها التي كانت تصدرها بصفتها التمييزية عندما كان الاختصاص ينعقد لها في النظر بالطعون التي تقدم ضد قرارات محكمة القضاء الإداري وعلى وفق ما جاء في نص المادة (4/ثالثاً) من قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم 30 لسنة 2005 النافذ ولحين تعديل قانون مجلس شورى الدولة الذي جعل الاختصاص ينعقد للمحكمة الإداري العليا وعلى وفق ما جاء في قانون التعديل رقم 17 لسنة 2013 وفي الفترة من عام 2005 ولغاية عام 2013 أصدرت المحكمة الاتحادية العديد من القرارات التي قضت بموجبها على إن حق الملكية الخاصة مصون ولا يجوز انتزاعها إلا بتعويض عادل وسأعرض بعض قرارات المحكمة الاتحادية العليا التي قضت إما بعدم دستورية النصوص التي تجيز انتزاع الملكية الخاصة دون تعويض أو التي قضت فيها بإلغاء بعض قرارات الإدارة العامة التي كانت تجيز انتزاع الملكية دون تعويض عادل وعلى وفق الآتي :

1. قرار المحكمة الاتحادية العدد 35/اتحادية /2007 في 8/1/2007 الذي أكد على إن نزع ملكية أي عقار تابع للأفراد يجب أن يكون بتعويض عادل لان الملكية الخاصة مصونة على وفق أحكام المادة (23) من الدستور وبينت فيه بان قانون الاستملاك رقم 12 لسنة 1981 المعدل وردت فيه صور للتعويض العادل[8]

2. قرار المحكمة الاتحادية العليا رقم 31/اتحادية/2008 في 26/5/2009 الذي قضت فيه بعدم دستورية قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 800 لسنة 1989 والذي جاء فيه الآتي (يقدر التعويض عن الأرض المملوكة ملكا صرفا أو الموقوفة وقفا صحيحا وعن حق التصرف في الأرض المملوكة للدولة المثقلة بحق التصرف التي تحتاجها إحدى دوائر الدولة والقطاعين الاشتراكي والمختلط بالأسعار السائدة، حسب جنس الأرض في تاريخ وضع الجهات المذكورة يدها عليها او في تاريخ طلبها الاستملاك أيهما اسبق) ووجدت المحكمة الاتحادية ان الية التعويض الواردة فيه تخالف أحكام المادة (23) من الدستور العراقي التي كفلت حق الملكية وعدم انتزاعها إلا بتعويض عادل[9]

3. كما أوضحت في قرارها العدد 48/اتحادية/2009 في 12/10/2009 بان قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 84 لسنة 2000 كان موافق لأحكام المادة (23) من الدستور لأنه قضى بتسجيل الأراضي المستملكة بموجب البند (أولا) من هذا القرار في دائرة التسجيل العقاري باسم وزارة المالية مخصصة لأغراض الهيئة العامة للطرق والجسور، وتعدل السجلات العقارية تبعا لذلك. على ان يكون ذلك بتعويض رسم آليته وعلى وفق أحكام الفقرات (ثالثاً ورابعاً) وبذلك فان انتزاع الملكية الخاصة كان بموجب تعويض عادل.

4. قرار المحكمة الاتحادية العليا رقم 79/اتحادية/2010 في 8/12/2010 الذي قضى بدستورية المادة (الثانية) من قانون تنفيذ مشاريع الري رقم 138 لسنة 1971 لأنها تضمنت التعويض عن الأراضي التي تنزع ملكيتها من الأفراد إلى الدولة بمقابل تعويض.

5. قرار المحكمة الاتحادية العليا العدد 108/اتحادية/2019 في 20/1/2020 الذي قضت فيه بعدم دستورية الفقرة (1) من المادة (97) من قانون إدارة البلديات رقم 165 لسنة 1964 المعدل التي جاء فيها الآتي (تسجل باسم البلدية بدون عوض كافة الشوارع الواقعة داخل حدودها والمتروك استعمالها للنفع العام الموجودة عند نفاذ هذا القانون أو التي تحدث بعد ذلك وفق القوانين المرعية او التي يدخل ضمن حدودها عند تغييرها وعلى دوائر الطابو تصحيح تسجيل هذه الشوارع باسم البلدية مباشرة ان كانت مسجلة باسم غيرها بلا رسم) وكان من أسباب الحكم بعدم الدستورية عمومية النص الوارد في الفقرة المطعون فيها، لأنها بصياغتها التشريعية لم تشخص صنف وجنس العقارات وملكية العقارات التي تذهب جميعها أو جزء منها إلى الشوارع وتسجل بدون عوض باسم البلديات ما دامت واقعة في حدودها البلدية، وان هذه العمومية في صياغة النص أدت إلى جعل نص الفقرة (1) من المادة (97) من قانون إدارة البلديات يتعارض وأحكام المادة (23) من الدستور التي منعت مصادرة الملكية الخاصة لإغراض النفع العام إلا بعوض عادل وعلى وفق النص الآتي (أولاً: الملكية الخاصة مصونةٌ، ويحق للمالك الانتفاع بها واستغلالها والتصرف بها، في حدود القانون. ثانياً: لا يجوز نزع الملكية إلا لأغراض المنفعة العامة مقابل تعويضٍ عادل، وينظم ذلك بقانون)

6. قرار المحكمة الاتحادية العليا بصفتها التمييزية العدد 112/اتحادية/تمييز/2013 في 27/5/2013 عندما كانت تنظر في الطعون الواقعة على قرارات القضاء الإداري حيث قضت فيه بإلغاء البند (2) من قرار مجلس الوزراء المؤرخ في 6/4/2006 الذي قضى بنقل ملكية الأصول العينية إلى جامعة الإمام الصادق (ع) واعتبارها تبرع من الوقف الشيعي، إلا أن المحكمة الاتحادية العليا وجدت فيه مخالفة للمادة (23) من الدستور لان انتزاع ملكية العقار لابد وان يكون بتعويض عادل ولا يجوز اعتبار ذلك تبرع وإنما بمثابة نزع للملكية الخاصة[10] .

ومن خلال ما تقدم فان القضاء العراقية وفي شقيه الدستوري والاعتيادي قد عزز من حماية حق الملكية وأكد على عدم جواز نزع الملكية الخاصة إلا بتعويض عادل وان يكون لمقتضيات المصلحة العامة وهذا الموقف يتطابق والأحكام الدستورية النافذة المتعلقة بالحقوق الاقتصادية للأفراد الواردة في باب الحقوق الاقتصادية في دستور العراق لعام 2005 النافذ وهذه التطبيقات وان أثقلت الميزانية العامة للدولة إلا إنها حققت الأمن القانوني والاقتصادي للمواطن فضلاً عن التكافؤ بين المصلحة الخاصة المتمثلة في حق المواطن بالانتفاع بملكيته وبين المصلحة العامة التي انتزعت بموجبها الملكية الخاصة والربح المتحقق لقاء هذا التعويض هو المنفعة التي سيوفرها المرفق العام المشيد على تلك العقارات المنتزعة من ملكية الأفراد الخاصة كما إنها تسهم في تنمية موارد الدخل للأفراد الذي يشكل رافد من روافد الدخل القومي للدولة العراقية ولا يمكن أن نعتبر هذا الاتجاه القضائي فيه تبذير أو خشية على المال العام وإنما هو في صلب صيانة هذا المال الداخل في نتيجته لصالح الأفراد.


احكام وقرارات المحكمة الاتحادية العليا مترجمة الى اللغة الانكليزية

shadow

ارشيف جريدة الوقائع العراقية للاعوام (2003 - 20019)

shadow

مواضيع ذات صلة