آخر الاخبار

shadow

هل تخضع الأعمال السياسية أعمال السيادة لرقابة القضاء

القاضي سالم روضان الموسوي

إن أعمال السيادة هي نتاج فقه القانون الإداري والدستوري الفرنسي ثم انتشر بعد ذلك في أغلب البلدان، إلا إن بعض البلدان ومنها الفقه القانوني في أمريكا حيث أطلق عليها تسمية "الأعمال السياسية" وفي الفقه الانكليزي تسمى "بأعمال الدولة"

 

 

ودون الالتفات إلى التسمية فإنها متماثلة من حيث المعنى، إلا إن الفقه القانوني لم يعرفها لصعوبة ذلك وإنما حاول توصيف طائفة الأعمال التي تباشرها سلطة الحكم في الدول من أجل الحفاظ على كيان الدولة من أرض وشعب وسلطة بمواجهة أخطار خارجية أو مواجهات داخلية عامة، كتنظيم سلطات الدولة وتحديد نظام الحكم، والعلاقة بين السلطات ، أما في العراق فإنها كانت حاضرة في التشريع وفي التطبيق فان بعض التشريعات كانت تنص بشكل صريح عليها ومنها المادة (7) من قانون مجلس شورى الدولة رقم 65 لسنة 1979 إلا أن ذلك الحظر تم إلغاؤه بموجب قانون تعديل قانون مجلس شورى الدولة الصادر عام 2013 وبذلك فإن القضاء الإداري الذي ينضوي تحت طائلة مجلس الدولة قد تحرر من هذا القيد وأصبح بإمكانه أن ينظر في مشروعية قرارات وأوامر الإدارة بكل مسمياتها بما فيها رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء وغيرها، لأن القيد الذي كان يمنع القضاء الإداري من ذلك قد انتهى، لكن في القضاء الاعتيادي ما زال القضاء يرزح تحت نير هذا القيد وعلى وفق نص المادة (10) من قانون التنظيم القضائي رقم 160 لسنة 1979 المعدل التي جاء فيها الآتي (لا ينظر القضاء في كل ما يعتبر من أعمال السيادة) وهذا القيد يمنع القضاء من النظر في بعض الأمور التي قد يعتبرها القضاء من أعمال السيادة أو يتمسك بها الخصوم أثناء نظر الدعوى للهروب من المسؤولية، ومع تطور مفهوم الحقوق ودور الرقابة على أعمال الدولة والتمسك بمبدأ المشروعية حاول القضاء في عدة بلدان ومثله الفقه القانوني إلى تقليص عدد هذه الأعمال إلى الحد الأدنى قدر الإمكان، ومنها ما جاء في قضاء المحكمة الدستورية العليا في مصر التي ضيقت نطاق هذه الأعمال وجعلتها في أمرين فقط هما "علاقة الحكومة بالبرلمان وعلاقة الحكومة بالسلطات الأجنبية أي العلاقات الخارجية" وعلى وفق ما جاء في قرارها العدد 10 سنة قضائية 14 في 19 يونيو/حزيران 1993، بينما في القضاء العراقي نجد أن محكمة التمييز الاتحادية توسعت بها عندما وصفتها بالعموم دون التحديد وعلى وفق ما جاء في قرارها العدد 39/هيئة عامة/1992 في 30/5/1992 الذي جاء فيه الآتي (أعمال السيادة هي الأعمال التي تصدر من الحكومة بوصفها سلطة حكم لا سلطة إدارية) كما جاء فيه (ويعرف فقهاء القانون الإداري أعمال السيادة بأنه عمل يصدر من السلطة التنفيذية وتحيطه اعتبارات خاصة بسلامة الدولة وأمنها الداخلي أو الخارجي ويخرج عن رقابة المحاكم من قرر القضاء له هذه الصفة) وهذا الحكم له ما يبرره لأنه صدر في ظل دستور عام 1970 الملغى والذي كانت فلسفة كتابته قد تأسست على هيمنة السلطة وجعل القضاء وظيفة لا سلطة وتقييده قدر ما استطاعت بالاستثناءات التي أوجدتها على ولايته العامة وقد يكون له ما يبرره في حينه، أما بعد صدور دستور عام 2005 والذي فلسفته قائمة على المشروعية الدستورية وجعل جميع قرارات الدولة ومؤسساتها الإدارية خاضعة للرقابة والمحاسبة القضائية وكان هذا واضح بشكل صريح في نص المادة (100) من دستور عام 2005 التي جاء فيها الآتي (يحظر النص في القوانين على تحصين أي عمل أو قرار إداري من الطعن ) فإن محكمة التمييز الاتحادية ما زالت على نهجها بالعمل بمفهوم "أعمال السيادة" حيث اعتبرت الاختصاص القضائي هو من أعمال السيادة وهو بمثابة توسيع للمفهوم لأنها أضافت نوعاً جديداً إلى طائفة الأعمال التي تدخل في مفهوم أعمال السيادة وعلى وفق ما جاء في قرارها العدد 219/هيئة موسعة/2011 في 21/8/2011 الذي جاء في حيثياته الآتي (وباعتبار إن الاختصاص القضائي يعتبر من أعمال السيادة) وارى بان العبارة في ظاهرها قد توحي إلى إن هذا نوع من أعمال السيادة إنما في مفهومها المتصل بسياق الحكم الذي صدر كانت تقصد به محكمة التمييز بان القضاء هو من أوجه السيادة للدولة وليس من أعمال السيادة ومع ذلك فان وجود هذه العبارة بقرار حكم صادر عن محكمة عليا في تدرج القضاء الاعتيادي يعد مصدر لاعتماده في مواضع أخرى، أما على مستوى القضاء الدستوري في العراق فان المحكمة الاتحادية العليا قد تصدت لهذا الأمر وقضت بعدم دستورية عدة مواد ونصوص قانونية كانت تحصن بعض أعمال الحكومة من الطعن فيها وأسست أحكامها على أساس المادة (100) من الدستور النافذ ، لكن جاء في قرار تفسيري بالعدد 4/اتحادية/2007 في 9/1/2013 حول مفهوم المناصب السيادية التي لا يجوز توليها من مزدوجي الجنسية وعلى وفق المنع الوارد في نص المادة (18/رابعاً) من الدستور التي جاء فيها الآتي (يجوز تعدد الجنسية للعراقي، وعلى من يتولى منصباً سيادياً أو امنياً رفيعاً، التخلي عن أية جنسيةٍ أخرى مكتسبة، وينظم ذلك بقانون) وجاء في حيثيات القرار التفسيري للمحكمة الاتحادية العليا المذكور آنفا الآتي (إن موضوع التخلي عن الجنسية الأجنبية من قبل العراقي الذي يتبوأ منصباً سيادياً أو امنياً رفيعاَ قد نصت علية المادة (18/رابعاً) من الدستور والمادة (9/رابعاً) من قانون الجنسية العراقية رقم (26) لسنة 2009 وان إنزال حكم المادتين المذكورتين يتطلب بيان مفاهيم ودلالات المناصب السيادية والأمنية الرفيعة ذلك أن تحديدها مناط بالتوجيهات السياسية في العراق بعد صدور الدستور) وبعض الكتاب اعتبر ذلك من قبيل اخذ المحكمة الاتحادية بمبدأ أعمال السيادة وإنها امتنعت عن توصيفها وحقيقة الأمر ليس كما ورد، لأن المحكمة الاتحادية العليا لم تتصدَ للقانون الذي ينظم مواصفات وماهية المناصب السيادية والأمنية الرفيعة، لأن ذلك يدخل في الخيارات التشريعية للسلطتين التشريعية والتنفيذية وهي من تحددها بموجب قانون وعندما يصدر ذلك فانه سيخضع لرقابة القضاء الدستوري والبحث في مدى دستوريته دون أن تمتنع المحكمة الاتحادية العليا من النظر فيه، لذلك فإن الاتجاه القضائي العراقي يسير نحو إلغاء فكرة "أعمال السيادة" وجعل جميع أعمال الإدارات الحكومية بكل مسمياتها خاضعة للرقابة القضائية سواء في القضاء الدستوري أو القضاء الإداري، باستثناء القضاء الاعتيادي الذي مازال مكبل بالقيد والحظر المفروض عليه بموجب المادة (10) من قانون التنظيم القضائي رقم 160 لسنة 1979 المعدل ونأمل من المشرع أن يلتفت إلى هذه النقطة حتى يستقيم العمل على وفق المبادئ الدستورية الواردة في الدستور العراقي النافذ وفي المواد (19 و 87 و 88) ويذكر إن قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969 المعدل قد اعتبر ولاية القضاء ولاية عامة على وفق أحكام المادة (29) التي جاء فيها الآتي (تسري ولاية المحاكم المدنية على جميع الأشخاص الطبيعية والمعنوية بما في ذلك الحكومة وتختص بالفصل في كافة المنازعات إلا ما استثنى بنص خاص)

 

 

احكام وقرارات المحكمة الاتحادية العليا مترجمة الى اللغة الانكليزية

shadow

ارشيف جريدة الوقائع العراقية للاعوام (2003 - 20019)

shadow

مواضيع ذات صلة