آخر الاخبار

shadow

فكرة الزعيم الأوحد والدستور العراقي في ضوء الأزمة الراهنة

القاضي سالم روضان الموسوي

إن الدستور العراقي لعام 2005 قد حدد إطاره العام وفكره تجاه مواده الدستورية التفصيلية بما جاء في ديباجته التي اهتم فيها صائغها اهتماماً كبيراً من حيث المضمون والتزويغ اللفظي وتحريك وتشكيل الحرف والمفردة والجملة، وهذا يولد الانطباع على إن كاتب الدستور لم ينسلخ عن موروثه الثقافي والاجتماعي والديني والإنساني، وانه تمسك بقيمه التاريخية وجعلها النبراس الذي يهتدي به عند وضع المبادئ الدستورية وعلى وفق العبارة الآتية التي تصدرت الدستور (نَحْنُ أبناء وادِي الرافدينِ، مَوْطِن الرُسُلِ وَالأنبياءِ، وَمَثْوىَ الأئِمَةِ الأطْهَارِ، وَمَهد الحضارةِ، وَصُنَّاع الكتابةِ، وَرواد الزراعة، وَوُضَّاع التَرقيمِ. عَلَى أرْضِنَا سُنَّ أولُ قانُونٍ وَضَعَهُ الإنْسَان، وفي وَطَنِنا خُطَّ أعْرَقُ عَهْدٍ عَادِلٍ لِسياسةِ الأوْطان، وَفَوقَ تُرابنا صَلَّى الصَحَابةُ والأولياءُ، ونَظَّرَ الفَلاسِفَةُ وَالعُلَمَاءُ، وَأبدَعَ الأُدَباءُ والشُعراءُ(. وهذه العبارات تعطي لنا انطباعاً أولياً إن من دبجها استحضر أرثه بكل صفاته وأصنافه منها (الاجتماعي والثقافي والعقائدي) وفي المجتمع العربي نجد أن فكرة القائد والزعيم حاضرة بشكل ملفت وعليها بنيت القواعد في الحكم وبموجبها نظمت العلاقات بين الأفراد والحاكم ويشير أحد الكتّاب إلى أن هذا الموروث لم يقف عند الشعور والعاطفة والتفاخر بل تعداه إلى مدلولات أخرى ذات أبعاد اقتصادية وأيدلوجية وسياسية، لذلك نجد إن ما ورد في الدستور العراقي النافذ قد تضمن في محتواه ما يعزز هذا الاتجاه من خلال الاعتزاز القومي والاثني والنظرية التفضيلية لأبناء قوميتهم عند نيل المناصب، وهذه تعتبر من مخلفات التنابز والتفاخر القومي عند العرب، وخلقت لنا فكرة التوريث في الحكم دون الالتفات إلى كفاءة الحاكم ومازال العمل بها مستمراً لغاية اليوم حتى مع ظهور الانقلابات العسكرية خلال فترة النصف الأول ومن القرن الماضي، إلا أن تلك الانقلابات وان كانت تحمل صفة الجمهوريات إلا إنها ورثت الحكم من الآباء إلى الأبناء ومحور هذا التوريث هو فكرة الزعيم والقائد الذي يعلم بكل خبايا السياسة والدين والاقتصاد، وهذا أصبح جزءاً من مفردات السلوك الجمعي الذي تنطوي تحت عنوانه الأحزاب والتيارات السياسية، كما يرى أهل الاختصاص، لذلك فان توريث الزعامة من الآباء إلى الأبناء ومن ثم إلى الأحفاد ما زالت قائمة في العمل السياسي، مثلما هي قائمة في المجال الاجتماعي والديني وأحيانا الثقافي، ولاحظنا خلال الحملات الانتخابية السابقة إن اغلب من يقدم نفسه يعتمد على إرثه الاجتماعي أو الديني، ومن لا يملك مثل هذا الموروث يتعلق بأهداب زعيم أو شخص لأهله وعائلته تاريخ ويتعكز عليها في نيل المناصب، بل إن الأزمة الراهنة أوضحت لنا بشكل واضح إن الحاكم والمحكوم لم يخرج عن هذه الفكرة وإنما يمارسها بشكل متخفي ومغطى بعبارات التقدم والاستقلال والكفاءة وفي الغالب الأعم يمارسها علنا إما بنفسه أو عبر جماهيره في هتافاتها التي ضجت بها ساحات الاحتجاج ، وهذا أثار التنابز والتفاخر الذي أدى إلى التعصب ويشير احد المستشرقين (شاخت) بان تفكير العرب كان يتجلى في اللغة العربية وهو بصورة أساسية تفكير قياسي لا تحليلي ويظهر في الطريقة الإفتائية للشريعة الإسلامية فضلاً عن الصراع بين قيم المجتمع البدوي العربي وقيم الإسلام، ومن هذه الأجواء الفكرية أُخذت كلمة التعصب من العصبية ، و هي أن يدعوا الرجل إلى نصرة عصبته، و الوقوف معها على من يُناوئها ، ظالمة كانت أو مظلومة، لذلك نجد الغالبية العظمى تنقاد إلى زعيمها أو تنفر من قول زعيم الآخر المضاد، وهذا أدى بدوره إلى ظهور الأزمة الدستورية والسياسية الخانقة التي يمر بها العراق ، فان الدستور وعلى ما وصفته آنفاً عند كتابته فانه لم يعطي صورة واضحة بالكامل لتشكيل نظام الحكم وتداول السلطة واوجد فراغ تشريعي اضطر القضاء الدستوري إلى تداركه بين الحين والآخر، إلا أن وجود النصوص التي تمثل بحدها الأدنى آليات التداول السلمي للسلطة وكيفية اختيار الرؤساء والقادة التنفيذيين لم تردع من تولى إدارة هذه الأزمة في الابتعاد عن الإطار الدستوري وإتباع أهواء زعيمه أو أهواء نفسه، لأنه يرى انه هو الأفضل وهو الأمثل، مما أدى إلى التناحر وإبعاد شخصيات قادرة على إدارة دفة الأمور بشكلها الطبيعي اعتماداً على الكفاءة والمهنية، لكن تسيد صورة الزعيم على سلوكهم وتفكيرهم جعل منها سداً منيعاً من تقبل رأي الآخر حتى وان كان شريكاً له في الحكم ، وهذا الحال لا يقف عند الأزمة السياسية في اختيار رئيس الوزراء وإنما يسري على كل المناصب القيادية في مفاصل الدول وفي سلطاتها الثلاث حيث أن من يتقلدها يمحي من قاموسه أن يكون له بديل ولا يرى في غيره أي قدرة ويسير باتجاه الدكتاتورية في الإدارة والتعسف في اتخاذ القرار ومحاولة أبعاد كل الكفاءات التي يعتقد إنها تزاحمه في المنصب وليس التي تزاحمه في الاجتهاد والعمل الصحيح، فانتقلنا من فكرة الزعيم إلى فكرة المتسلط وغيره العبيد والشواهد كثيرة ، وهؤلاء عندما يتولون الإدارة وإعطاء الأوامر فأنهم يعتمدون على ما يسرب إليهم من أخبار يتداولها الشارع الثائر ويعملون على أعطاء القرار الذي يتناغم مع حاجات الشارع ويؤمن بقائهم في الموقع، وجعلوا من وسائل التواصل الاجتماعي أساس لبناء برامجهم وقراراتهم المصيرية ، ويعرف الجميع ان وسائل التواصل الاجتماعي هي افتراضية غير حقيقية ولا تعطي التقييم الصحيح وإنما قد توضح الاتجاه العام وليس الاتجاه الدقيق الذي يجب ان تبنى عليه القرارات التي تعالج الأزمة ، لذلك نرى إن القوى الفاعلة في الأرض ليس المؤسسات الدستورية وإنما جموع تردد ما يطلب منها دون تفكير او وعي عام وكما سماها أحد الكتاب بأنها (جموع ليس لها هوية طبقية او ثقافية أو هوية سياسية وتمارس هذه الجموع الهيمنة على الشارع والمجتمع وتعطي تفويضاً كاملاً لزعيم قادم من مؤسسة عسكرية أو عشائرية أو إقطاعية أو دينية وهذه الجموع لا تميز بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي) هذه الجموع نجد إنها لا تعبر عن نفسها إلا بالهتافات وليس لها أدبيات توضح ماهيتها وعقيدتها، لذلك يرى البعض بأن هذه الجموع وكذلك الأنظمة العسكرية التي توالت على حكم العراق كانت هي المساهم الأكبر في تدمير الدولة التي تحلم بها أجيال العراق ولغاية الآن، ومن الجدير بالذكر إن هذه الجموع لم ينحصر وجودها في العراق وإنما لها وجود في اغلب البلدان وتسمى بالظاهرة الشعبوية التي يعرفها المختصون بأنها إيديولوجية،و فلسفة سياسية،أو نوع من الخطاب السياسي، الذي يستخدم الديماغوجية (سياسة استهواء الجماهير واستغلال ميولها) ثم إثارة عواطف هذه الجماهير بالاحتجاج الجماهيري لتحييد القوى الأخرى المختلفة معها، وأحياناً يتعدى الأمر الاحتجاج السلمي إلى استعمال العنف بمختلف أوصافه وأنواعه.

ومن خلاصة ما تقدم أرى إن الفكر السياسي المهيمن على المشهد العراقي ما زال لم يخرج عن نطاق الزعيم وإن القائمين على أمور البلاد يسعون وبكل قوة إلى تأويل النصوص الدستورية تجاه مراميهم وغاياتهم الفئوية بوازع الانقياد الأعمى للزعيم دون الالتفات إلى أي نتيجة تؤول إليها الأمور طالما أن الزعيم هو من يقرر حتى لو قادنا إلى نتيجة كارثية لأنهم يعتقدون بأنه لا يخطئ كما إن هؤلاء الزعماء اعتقدوا بأن لا سواهم من يدرك غايات الأمور وإن لا يوجد بديل عنهم وهذا أدى إلى التدوير في اغتصاب السلطة والهيمنة على المناصب.

احكام وقرارات المحكمة الاتحادية العليا مترجمة الى اللغة الانكليزية

shadow

ارشيف جريدة الوقائع العراقية للاعوام (2003 - 20019)

shadow

مواضيع ذات صلة