آخر الاخبار

shadow

من تراث القضاء الدستوري في العراق

القاضي سالم روضان الموسوي

 

 

من تراث القضاء الدستوري في العراق 

القرار التفسيري المؤرخ في 22/8/1946 الصادر عن  المحكمة العليا (المحكمة الدستورية)

إن القضاء الدستوري في العراق يكاد يكون الأسبق بين نظرائه في المنطقة العربية حيث وجدت المحاكم الدستورية في أول دستور عراقي كان يسمى القانون الأساسي لعام 1925 بعد أن تأسست الدولة العراقية وأخذت شكل الحكم الملكي الدستوري الوراثي أصدر الملك القانون الأساسي في 12/3/1925 وافرد فيه باب إلى السلطة القضائية ، وبين شكل المحاكم وطبيعة تشكيلها ، وفي المادة (81) أشار إلى وجود المحكمة الاتحادية العليا ، وذكر إن اختصاصها الأصلي هو محاكمة الوزراء وأعضاء مجلس الأمة وأعضاء محكمة التميز على وفق التفصيل الآتي (تؤلف محكمة عليا لمحاكمة الوزراء، وأعضاء مجلس الأمة، المتهمين بجرائم سياسية، أو بجرائم تتعلق بوظائفهم العامة، ولمحاكمة حكام محكمة التمييز عن الجرائم الناشئة من وظائفهم، وللبت بالأمور المتعلقة بتفسير هذا القانون، وموافقة القوانين الأخرى لأحكامه) ، ثم منحها صلاحية تفسير النصوص الدستورية وبموجب آلية تعتمدها عند التصدي إلى هذا الموضوع على وفق نص المادة (83) من القانون الأساسي التي جاء فيها الآتي (إذا وجب البت في أمر يتعلق بتفسير أحكام هذا القانون، أو فيما إذا كان أحد القوانين المرعية يخالف أحكام هذا القانون تجتمع المحكمة العليا بإرادة ملكية تصدر بموافقة مجلس الوزراء، بعد أن تؤلف وفق الفقرة الثالثة من المادة السابقة. أما إذا لم يكن مجلس الأمة مجتمعاً يكون نصب الأعضاء المذكورين في المادة السابقة بقرار من مجلس الوزراء وإرادة ملكية) وتتكون هذه المحكمة من ثمانية أشخاص ورئيس المحكمة هو رئيس مجلس الأعيان ويشترط في أعضاء المحكمة العليا أن يكون أربعة منهم من القضاة وأربعة من بين أعضاء مجلس الأعيان وهذه المحكمة لم تشكل الا لمرات معدودة جداً منها عند النظر في دستورية قانون منع الدعايات المضرة رقم (20) لسنة 1938م وصدر قرار بإلغاء مادتين من مواده وهم (الرابعة والخامسة) لمخالفته القانون الأساسي الذي أشار إليه الدكتور محمد علي آل ياسين في الصفحة 75 من كتابه الموسوم القانون الدستوري والنظم السياسية ـ مطبعة المعارف الطبعة الأولى عام 1964) وكذلك قرار تفسيري أصدرته عام 1946 بعد صدور الإرادة الملكية بتشكيلها لغرض تفسير نص المادة (107) من القانون الأساسي التي جاء فيها الآتي (إذا دخلت السنة المالية الجديدة قبل صدور قانون ميزانيتها، فإن كان مجلس الأمة مجتمعاً يجب على وزير المالية أن يقدم لائحة قانونية تتضمن تخصيصات مؤقتة إلى مدة لا تتجاوز شهرين، وعند ختام مدة التخصيصات يجوز لوزير المالية أن يقدم لائحة جديدة من هذا القبيل وهلم جرا يتكرر ذلك حسب اللزوم، وإن لم يكن مجلس الأمة مجتمعاً تراعى ميزانية السنة الماضية، على أن لا يخل ذلك بحق إصدار المراسيم المبحوث عنها في المادة(102). ولان القرار يعتبر من القرارات النادرة على مستوى القضاء الدستوري ولم يلتفت إليه احد وجدت من الضروري نشره والاطلاع عليه لبيان رصانة قضائنا الدستوري وان ما عليه الآن هو امتداد لذلك الإرث الغني والماضي التليد وحرصت على نقله كما كتب بدون تدخل سواء بوضع الفوارز والنقاط بين الجمل أو على تعديل العبارات التي وردت فيه ونقلته من كتاب سنوي تصدره وزارة العدل يجمع التشريعات والأنظمة والتعليمات وكان الكتاب لعام 1946 وعثرت عليه في مكتبة محكمة الأحوال الشخصية في الرصافة يعلوه الغبار لكن فيه من الدرر والجواهر الكثير، ومنها القرار الذي سأعرضه نصاً ومعه نص الإرادة الملكية التي قضت بتشكيل المحكمة وقبل ذلك لابد من عرض بعض الأمور حول تشكيل المحكمة لتكون الصورة واضحة للقارئ الكريم وعلى وفق الآتي :

  1. 1.   إن القانون الأساسي هو الدستور في حينه لأن المنظومة التشريعية سبق وان تعاملت مع الأحكام الدستورية بمسمى قانون وليس دستور، ومنها القانون الأساسي عام 1925 .
  2. 2.   تتكون المحكمة العليا في ظل القانون الأساسي لعام 1925 الملغى من ثمانية أعضاء ينتخبهم مجلس الأعيان عدا رئيس المحكمة فيكون رئيس مجلس الأعيان وعلى وفق ما جاء في المادة (82) من القانون الأساسي التي جاء فيها الآتي (تأليف المحكمة من ‏ثمانية أعضاء عدا الرئيس ينتخبهم مجلس الأعيان أربعة من بين أعضائه وأربعة من بين كبار الحكام وتنعقد برئاسة ‏رئيس مجلس الأعيان) وهذه المحكمة لا تعد هيئة قضائية وان أنيط بها محاكمة الوزراء وكذلك تفسير نصوص القانون الأساسي وإنما تكون بمثابة مجلس دستوري يمارس في بعض مهامه وظيفة قضائية يتألف من بعض القضاة الذين ورد وصفهم بالحكام لان القاضي كان يسمى حاكم.
  3. 3.   إن هذه المحكمة ليس لها تشكيل ثابت وإنما تشكل عند الحاجة فقط وتنتهي مهمتها عند البت في النزاع المطلوب النظر فيه أو بإعطاء القرار التفسيري وتعتبر منحلة ولا يجوز لها أن تنظر في غير ذلك إلا إذا صدرت إرادة ملكية جديدة وبقرار من مجلس الوزراء وعلى وفق ما جاء في المادة (83) من القانون الأساسي.
  4. 4.   ان القرار قد صدر في حينه بالاكثرية المكونة من رئيس المحكمة وهو رئيس مجلس الاعيان في حينه نوري السعيد والأعضاء كل من أعضاء مجلس الأعيان عبد القادر باش اعيان   احمد الشيخ داود    وكبار الحكام انطوان شماس وعبدالجبار التكرلي وابراهيم الشابندر ومصطفى الانكرلي بينما خالف القرار العضوان وهم من اعضاء مجلس الاعيان كل من حازم شمدين اغا وصالح جبر
  5. 5.   ان الملاحظة التي تثير الانتباه ان معارضة الاعضاء المخالفين كانت عبارة عن لائحة في القانون الدستوري مقدمة من خبير في فقه القانون الدستوري بينما كان من قدمها هم من السياسيين وليس من الحكام في المحكمة العليا وهذا يولد الانطباع على ان السياسي العراقي كان في السابق مسلح بسلاح العلم في القانون وعلى وجه الخصوص في القانون الدستوري مما اهله ليكون في موقع المسؤولية وادارة شؤون البلاد بوعي وحكمة والحجج التي ساقها العضوان تنم عن حصافة وافق واسع وفهم عميق للواقعة محل النزاع والجميع يبحث عن مصلحة البلد
  6. 6.   ان رئيس المحكمة العليا هو رئيس مجلس الاعيان  نوري السعيد وهو السياسي الالمع بين اقرانه في حينه وقد يكون لغاية الان ،اورد ملاحظات تنم عن فهم ولاسع لحجم المسؤولية التي انيطت بهم في عمله في القضاء الدستوري حيث جاء في احدى تعليقاته المسطرة في القرار الاتي (مع وجوب تمسكنا بنصوص الأحكام الدستورية يجب أن لا نبتعد عن روح الدستور. وما تمليه علينا هذه الروح من أحكام وتوجيهات وان من أهم القواعد الأساسية قضية حفظ التوازن بين السلطتين التشريعية والإجرائية فان أي ميل إلى إحدى السلطتين يؤدي إلى اختلال هذا التوازن وبالنتيجة يضر بصالح الدولة) ويلاحظ انتقاء عباراته بعناية وبيان غاية العمل بمبدأ الفصل بين السلطات وهو مبدأ التوازن بينهما وليس التقاطع أو الميل إلى أحداهما.

وفي الختام أود أن أوضح إن الغاية من نشر هذا القرار ليطلع الجميع على إن قضائنا الدستوري لم يكن وليد اليوم وإنما له جذور تمتد إلى لحظة تكوين الدولة العراقية الحديثة وان كان عمل القضاء الدستوري قليل جدا ويكاد لا يتجاوز قرارين فقط، إلا انه يؤشر لنا بان ذلك الجذر التاريخي للقضاء الدستوري هو من كان حافزاً لوجود قضاء دستوري قائم الآن ممثلا بالمحكمة الاتحادية العليا الذي يتسم بالحكمة والدقة والحياد والموضوعية والمهنية لان من يتولى العمل في هذه المحكمة هم امتداد لهذا قضاء دستوري الذي نفتخر به ويكاد يكون متميز حتى عن أقرانه في المنطقة سابقاً وحالياً وأتمنى التوفيق ودوام النجاح لمحكمتنا الاتحادية العليا ودوام الصحة والعافية لقضاتها الاكارم.

القاضي

سالم روضان الموسوي

 

وفي أدناه نص الإرادة الملكية قم 533 لسنة 1946 التي شكلت المحكمة العليا للبت في تفسير المادة (107) من القانون الأساسي .

 

إرادة ملكية رقم 533 لسنة 1946

بعد الاطلاع على الفقرة الثالثة من المادة 82 والمادة 83 المعدلتين من القانون الأساسي ونظراً لوجود أسباب تستدعي تفسير المادة 107 من القانون المذكور من الوجوه التي اقرها مجلس الوزراء.

وبناء على ما عرضه رئيس الوزراء ووافق عليه مجلس الوزراء فقد:

أصدرنا هذه الإرادة الملكية .

أمرنا بتشكيل المحكمة العليا وجمعها تحت رئاسة رئيس مجلس الأعيان من الذوات الآتية أسماؤهم :ـ

1-  أعضاء مجلس الأعيان :

الشيخ احمد الداود

صالح جبر

عبدالقادر باش أعيان

حازم شمدين أغا

2-  كبار الحكام

أنطوان شماس

عبدالجبار التكرلي

إبراهيم الشابندر

مصطفى الانكرلي

على رئيس الوزراء تنفيذ هذه الإرادة.

كتب ببغداد في اليوم السادس عشر من شهر رمضان سنة 1365 واليوم الرابع عشر من شهر آب سنة 1946

عبدالاله                                   ارشد العمري / رئيس الوزراء

(نشر في الوقائع العراقية عدد2399 في 20-8-1946)

قرار المحكمة العليا المؤرخ في 22/8/1946 بشأن المادة ( 107) من القانون الأساسي

قرار

قرار المحكمة العليا المؤرخ في 22/8/1946 بشأن المادة ( 107) من القانون الأساسي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اجتمعت المحكمة العليا المتشكلة بموجب الإدارة الملكية المرقمة 533 لسنة 1946 والمؤرخة في 14 آب 1946 في ديوان مجلس الأعيان صباح يوم الخميس الموافق 22 آب 1946 برئاسة فخامة السيد نوري السعيد رئيس مجلس الأعيان. وعضوية كل من السادة احمد الشيخ داود وصالح جبر وعبد القادر باش أعيان وحازم شمدين أغا أعضاء مجلس الأعيان والسادة أنطوان شماس وعبدالجبار التكرلي وإبراهيم الشابندر ومصطفى الانكرلي من كبار الحكام .

وبعد الاطلاع على نص الإرادة الملكية المشار إليها أعلاه وتلاوة قرار مجلس الوزراء المرفقة به بشان تفسير المادة (107) من القانون. أدلى فخامة رئيس المحكمة العليا ببعض بيانات رأت المحكمة من المفيد تدوينها في صدور القرار وفيما يلي نصها (( قال فخامة الرئيس)):ـ

بان الأسباب والعوامل التي أدت إلى بقاء ميزانية السنة المالية الحالية من دون تصديق مجلس الأمة وبالتالي أدت إلى اختلاف وجهات النظر في دستورية الوضع الراهن للميزانية مما أدى إلى تشكيل المحكمة العليا للبت في هذا الأمر ترجع إلى أمور يندر أن تتكرر في الحياة البرلمانية. فقد صادف أن تعاقبت على كراسي الحكم ـ خلال مدة اجتماع المجلس ـ ثلاث وزارات وتداولت الميزانية الحالية أيدي ثلاث وزراء، فقد اجتمع مجلس الأمة في أول كانون الأول سنة 1945 وفي الحكم وزارة فخامة الباجه جي. ولم تمضِ مدة حتى استقالت وخلفتها في المسؤولية وزارة السويدي بعد فترة طويلة وتاخرت وزارة السويدي في تقديم الميزانية العامة ولم تعرضها على مجلس الأمة إلا قبيل نهاية الاجتماع العادي بمدة وجيزة ثم استقالت في آخر يوم من أيام الاجتماع وهو 30 مايس 1946 من دون أن يتاح للمجلس فرصة لتدقيق الميزانية وتصديقها واعقبتها حكومة فخامة العمري التي اضطرت في أول يوم مجيئها إلى دعوة مجلس الأمة إلى اجتماع فوق العادة للنظر في الميزانية المؤقتة، وبعد أن صادق المجلس على الميزانية المؤقتة لشهري حزيران وتموز لسنة 1946 فض الاجتماع المذكور. والذي اعلمه بحسب اطلاعي على حقيقة الموقف و وقوفي على الترتيب المتخذ إن من أهم العوامل التي حدت بحكومة العمري إلى فض مجلس الأمة قبل تصديق الميزانية العامة (هو إن أمر حل مجلس النواب وإجراء انتخابات جديدة كان من الأمور المقررة، لهذا ارتؤي أن يكتفي بتصديق الميزانية المؤقتة للشهرين المذكورين على أن يحل مجلس النواب قبل أو في نهاية الشهرين المذكورين شهر تموز. ولكن ظروفا طارئة حملت رئيس الوزراء - حسبما بين- على التريث في أمر حل مجلس النواب إلى فرصة أخرى وان كان أمر حل مجلس النواب مازال مقررا بل مفروغا منه وهناك نشأت مشكلة الوضع الغامض للميزانية وتولد اختلاف الرأي فلو حل مجلس النواب لما وجدت المشكلة ولا نشأ اختلاف في الرأي فبعض البرلمانين ومنهم نائب رئيس مجلس الأعيان ومراقب الحسابات العام وآخرون من أعضاء مجلس الأمة يعتقدون أن لا مندوحة للحكومة لأجل معالجة الوضع الراهن للميزانية من إتباع احد أمرين. حل مجلس النواب، أو دعوة مجلس الأمة للاجتماع لتصديق الميزانية العامة. والحكومة وبعض الجهات ترى إن المادة 107 من القانون تخولها حق العمل بموجب الميزانية السابقة من دون حاجة إلى دعوة المجلس للاجتماع، وقد اجتمعنا للبت في هذا الأمر إن هذه البيانات وان كانت لا مساس لها في جوهر الموضوع وهو نصوص الأحكام الدستورية وما يستنبط منها للتفسير النصوص. إلا إنني اعتقد إن من المفيد جدا وقوف أعضاء المحكمة العليا عليها لأننا مع وجوب تمسكنا بنصوص الأحكام الدستورية يجب أن لا نبتعد عن روح الدستور. وما تمليه علينا هذه الروح من أحكام وتوجيهات وان من أهم القواعد الأساسية قضية حفظ التوازن بين السلطتين التشريعية والإجرائية فان أي ميل إلى إحدى السلطتين يؤدي إلى اختلال هذا التوازن وبالنتيجة يضر بصالح الدولة .

إنني شخصيا أميل إلى الرأي القائل بعدم جواز إستفادات الحكومات من أحكام المادة 107 من القانون الأساسي على الوجه الذي اجتهدت الحكومة الحاضرة في الأخذ به لولا إن الأسباب والظروف التي صادفت تشريع الميزانية الحالية خلال فترة الاجتماع العادي الماضي كما بينت تجعلني أتردد في اعتبار هذا العمل مخالفا لأحكام الدستور لان الحكومة الحاضرة لم تتول المسؤولية إلا بعد ختام مدة الاجتماع القانوني وبعد أن تأخرت الحكومة السابقة في تقديم الميزانية مدة طويلة.

 فلو كانت الحكومة التي سلكت هذا السبيل هي نفس الحكومة التي تماهلت في تقديم الميزانية العامة الى المجلس وماطلت حتى نهاية الاجتماع ثم جاءت تحاول الاستفادة من نص المادة 107 من القانون الأساسي المذكور، لو كانت الحكومة نفس الحكومة لقررت مخالفة عملها لنصوص الدستور وعدم جواز ذلك. ولكن في هذه الحالة بالذات وفي هذه الميزانية الحالية أرى الأمر يختلف اختلافا كبيرا فلا أريد أن اقطع بجواز ذلك مطلقا إلا في مثل هذه الظروف ولمثل هذه الأسباب والدواعي المشابهة هذا ما وددت عرضه على المحكمة ).

ثم تذاكرت المحكمة في تفسير المادة 107 المطلوب تفسيرها من الوجوه الآتية :_

1-  إذا كان مجلس الأمة معطلا ولم يسبق أن قنن ميزانية السنة الراهنة يستمر في تطبيق الميزانية للسنة السابقة وبنتيجة ذلك هل يحق للحكومة أن تصدر مراسيم لصرف مبالغ مستعجلة.

2-  هل يتحتم على الحكومة دعوة مجلس الأمة في عطلته القانونية لغرض تصديق ميزانية السنة الحالية.

فقررت بالأكثرية ما يأتي :-

1-  ظهر من ملاحظة المادة 38 إن دورة مجلس النواب أربعة اجتماعات وان لكل سنة برلمانية اجتماع يبدأ في أول يوم من كانون الأول وان المجلس يجتمع في كل سنة ستة أشهر ويعطل ستة أشهر وان أزمان هذه الاجتماعات والعطل خلال كل سنة برلمانية تعين بإرادات ملكية، وان من الجائز بالنظر لهذا أن تدخل السنة المالية قبل صدور قانون ميزانيتها والمجلس معطل الأمر الذي ينبغي معه العمل بمقتضى المادة 107 بتلك العطلة.

كما تبين من مطالعة المادتين 82 و 83 إن أعضاء المحكمة العليا ينتخبون من قبل مجلس الأعيان عندما يكون المجلس مجتمعا، أما إذا لم يكن مجلس الأمة مجتمعا فيكون نصبهم بقرار من مجلس الوزراء أو بإرادة ملكية، وسبق أن اجتمعت المحكمة العليا في عطلة المجلس وتم نصب أعضائها وفق المادة (83) المذكورة مما سيتبان منه جليا ان نص المادة 107 صريح في لزوم مراعاة ميزانية السنة الماضية عندما لم يكن مجلس الأمة مجتمعا سواء أكان عدم اجتماعه ناشئا عن تعطيله أو لسبب حل مجلس النواب، إذ في كلتا الحالتين ( التعطيل والحل ) لا يكون مجلس الأمة مجتمعا والنص مطلق وليس هناك دليل التقيد بحالة دون الأخرى وعليه إذا كان مجلس الأمة معطلا ولم يسبق أن قنن ميزانية السنة الراهنة فيستمر في تطبيق ميزانية السنة السابقة مع عدم الإخلال بحق إصدار المراسيم وفق المادة 102 .

2-  لا تتحتم دعوة مجلس الأمة لغرض تدقيق ميزانية السنة الحالية وإنما يجوز ذلك وفق الفقرة الثالثة من المادة 40 من القانون الأساسي .

الموقعون

أنطوان شماس    عبد القادر باش اعيان   احمد الشيخ داود    مصطفى الانكرلي       ابراهيم الشابندر      عبد الجبار التكرلي

المخالفة

نخالف رأي الأكثرية فيما ذهبت إليه ونشرح وجهة نظرنا في المخالفة على الوجه التالي :-

إني أرى بان المادة 107 من الدستور اقتصر بحثها على أمر واحد فقط هو معالجة الوضع عند دخول السنة المالية الجديدة قبل صدور قانون ميزانيتها فقد نصت المادة المذكورة على انه إذا دخلت السنة المالية الجديدة قبل صدور قانون ميزانيتها فان كان مجلس الأمة مجتمعا يجب على وزير المالية أن يقدم لائحة قانونية تتضمن تخصيصات مؤقتة إلى مدة لا تتجاوز شهرين وعند ختام مدة التخصيصات يجوز لوزير المالية أن يقدم لائحة جديدة من هذا القبيل وهلم جرا يتكرر ذلك حسب اللزوم وان لم يكن مجلس الأمة مجتمعا تراعى ميزانية السنة الماضية على أن لا يخل ذلك بحق إصدار المراسيم المبحوث عنها في المادة 102 . يتضح من نص المادة ان هناك حالتان أولا عندما يكون المجلس مجتمعا ففي السنة المالية الحالية كان مجلس الأمة مجتمعا فعلا وبناء على ما جاء في المادة 38 حول وجوب اجتماع المجلس لمدة ستة أشهر من كل سنة اعتبارا من اليوم الأول من شهر كانون الأول فان شهر نيسان الذي تبتدئ فيه السنة المالية يصادف حتما وعلى الدوام خلال مدة اجتماع المجلس إلا إذا كان المجلس منحلا أو مؤجلا في مثل هذه الحالة على الحكومة أن تستحصل مصادقة المجلس على ميزانية مؤقتة لمدة شهرين وتكرر ذلك حتى يتم تصديق الميزانية العامة وليس من حقها العمل بميزانية السنة الماضية على أساس إن المجلس غير مجتمع. ثانيا عندما لا يكون المجلس مجتمعا. من الواضح بالنظر إلى ما بينت إن المقصود من هذه العبارة هو عندما يكون المجلس منحلا أو مؤجلا وليس عندما يكون في عطلته بعد أن أنهى اجتماعه كما ذهبت إليه الأكثرية في هذه الحالة فقط خول القانون الأساسي الحكومة العمل بميزانية السنة الماضية كي لا تتوقف  شؤون الدولة لحين اجتماع المجلس بنتيجة انتخابات جديدة أو بانتهاء مدة تأجيل المجلس .

إن قرار الأكثرية يترك للحكومة فرصة عدم إعطاء المجلس مجال النظر في الميزانية مدة طويلة إذا أرادت ذلك بطريقة تأخير تقديم الميزانية بقصد الدرس أو التنظيم كما إن عند تبدل الوزارة تطلب الوزارة الجديدة إعادة النظر في الميزانية لتدقيقها وتنظيمها حسب منهاجها فتسحبها من المجلس إن كانت قد قدمت له وبذلك يمضي المجلس أوقاته منتظرا الميزانية فان أتت بهذا الشكل المتأخر لا يبق للمجلس وقتا كافيا لتدقيقها ومناقشتها خاصة إذا كان هناك حزبا معارضا يناقش الحكومة ويحاسبها فتنتهي مدة الاجتماع فتستطيع الحكومة بموجب التفسير عدم تمديد مدة الاجتماع لإكمال تصديق الميزانية والعمل بموجب ميزانية السنة الماضية . إن أهمية الميزانية والمصادقة عليها مدرجة في المواد 98 و 99 و 100 من القانون الأساسي وان مشاريع الدولة وإصلاح المملكة وأعمارها كل ذلك متوقف على الميزانية وكذلك تتوقف عليها حقوق الموظفين المكتسبة في الترفيع والوظائف الجديدة التي قد تحتاجها المملكة لذلك شدد الدستور في المواد المذكورة على ضرورة عرض الميزانية على مجلس الأمة و وجوب تصديقها من قبله.

يستنتج مما جاء أعلاه إن المادة 107 من القانون الأساسي لا تجيز تمشية أمور الدولة بدون ميزانية مصدقة إلا في حالة حل مجلس الأمة أما في حالة عطلته فاني اعتقد إن النصوص الدستورية تحتم ضرورة تصديق الميزانية العامة من قبل مجلس الأمة إذ أن القصد إبقاء السيطرة على صرفيات الحكومة لئلا يترك لها المجال للصرف مدة طويلة بدون مصادقة. فبالنظر إلى ما بينته  ولما كانت الأكثرية لم تلتفت إلى هذه النقاط الجوهرية كما وإنها لم تاخذ بنظر الاعتبار التقاليد البرلمانية التي تمشينا عليها حتى الآن فاني أخالف قرارها .

الموقع

حازم شمدين اغا

ذهبت الأكثرية إلى إن نص المادة 107 من القانون الأساسي صريحة في لزوم مراعاة ميزانية السنة الماضية عندما لم يكن مجلس الأمة مجتمعا سواء أكان عدم اجتماعه ناشئا عن تعطيله أو لسبب حل مجلس النواب .

يظهر إن الأكثرية لم تمعن النظر في مدلول المادة المنوه عنها كما إنها لم تتعرض لبحث المواد الأخرى من القانون الأساسي التي لها علاقة وصلة قويتين بهذه المادة ولو إنها فعلت ذلك لما جمدت على تفسير المادة تفسيرا سطحيا يتنافى والغرض المقصود منها فترى إن لا فرق بين تعطيل المجلس  بسبب فضه أو تعطيله بسبب عطلته الاعتيادية. ولاجل لان نتوصل إلى تفهم الغرض المقصود من هذه المادة لا بد لنا من الرجوع إلى أمرين الأول المواد الأخرى الواردة في القانون الأساسي والثاني مبدأ التفريق بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.

المواد الدستورية

المادة ( 38 ) الفقرة (1) - دورة مجلس النواب أربعة اجتماعات لكل سنة اجتماع يبدأ في أول يوم شهر كانون الأول إلى آخره . فيتضح من صريح العبارة إن دورة المجلس أربع سنوات تكون فيها أربعة اجتماعات لكل سنة اجتماع ولا يمكن أن يكون المجلس غير مجتمع إلا في حالة الحل بخلاف ما ذهبت إليه الأكثرية التي لم تفرق بين العطلة والحل، مع إن العطلة هي من ضمن دورة المجلس ولا يمكن اعتبارها شيئا آخر وذا توصلنا إلى معرفة إن دورة المجلس أربعة اجتماعات يتحتم علينا أن نسلم بان العبارة ( فان لم يكن المجلس مجتمعا) الواردة في المادة (107) الغرض منها ان المجلس في حالة الحل ولا يمكن ان تفسر تفسيرا آخر . هذا من جهة ومن جهة أخرى إن المادة المذكورة جاءت خصيصا لمعالجة وضع الصرف عندما تدخل السنة المالية الجديدة قبل صدور قانون  ميزانيتها ولذا اوجبت على وزير المالية أن يقدم لائحة قانونية تتضمن تخصيصات مؤقتة إلى مدة لا تتجاوز الشهرين وأجازت له أن يكرر تقديم مثل هذه اللوائح عدة مرات . وقصد المشرع من ذلك واضح هو تسهيل مهمة الحكومة في انجاز شؤون الدولة قانونيا حتى قد صار قبول الميزانيات المؤقتة والمصادقة عليها  من قبل المجالس النيابية بدون مناقشة من التعامل الدستوري الشايع لان الامتناع بل وحتى التلكؤ في تصديقها أمر يؤدي بطبيعة الحال إلى توقيف الصرف ومعنى هذا شل شؤون الدولة الأمر الذي فيه من الخطر ما فيه . هذا ولما كان قصد المشرع كما ذكرنا هو تسهيل سير الحكومة في انجاز شؤون الدولة إلى أن تنجز الحكومة لائحة الميزانية العامة تقدمها إلى المجلس للمصادقة عليها فليس من المعقول ولا من الجائز أن يفسر هذا الجواز بان يعطي للحكومة الحق أن تمتنع عن عرض لائحة الميزانية العامة على المجلس مكتفية بتكرار تقديم الميزانيات المؤقتة إلى أن يحين زمن عطلة المجلس فتزعم عندئذ إن المجلس غير مجتمع ولها أن تعمل وفق ميزانية السنة السابقة. فإذا جاء هذا التفسير كما زعمت الأكثرية كان من الميسور للحكومة إذا شاءت لسبب من الأسباب أن تتحايل على المجلس فتستعمل هذا الجواز الذي أعطاه إياها المشرع بغية التسهيل ليس إلا. تستعمله كسلاح ضد المجلس للإفلات من مناقشة لها في أهم عمل تشريعي وفي هذا حد وتقليص من اختصاصات المجلس النيابي لا يتفقان وروح الدستور.

المادة (98) - يجب أن تصدق مخصصات كل سنة بقانون سنوي يعرف بقانون الميزانية وهذا يجب أن يحتوي على مخمن الواردات والمصاريف لتلك السنة.

المادة (99) - يجب أن يصدق مجلس الأمة الميزانية في اجتماعه السابق لابتداء السنة المالية التي يرجع إليها ذلك القانون.

المادة (100) - يجب أن يعرض وزير المالية على مجلس النواب جميع اللوائح القانونية لتخصيص الأموال أو تزييد التخصيصات المصدقة أو تنقيصها أو إلغائها وكذلك قانون الميزانية وجميع اللوائح الخاصة بالقروض التي تعقدها الحكومة.

يلاحظ إن المادة ( 98) نصت في أول كلمة جاءت في صدرها على وجوب تصديق الميزانية ومعنى الوجوب كما هو واضح الحتمية إذن يحتم تصديق الميزانية . أما المادة (99) فقد جاءت مؤيدة للمادة (98) بالرغم على كونها صريحة ووافية بالمرام ولكن يظهر إن المشرع أراد ن ينبه بها مجلس الأمة إلى أهمية الميزانية وضرورة تصديقها فجاء بهذا النص الصريح على وجوب تصديقها من قبل مجلس الأمة . وأما المادة (100) فقد جاءت تنص أيضا على وجوب عرض الميزانية على المجلس النيابي من قبل الوزير المسؤول مباشرة وهو وزير المالية .

فيتضح من هذه المواد الثلاث المادة (98) التي أتت بشكل عام والمادة 99 التي جاءت لبيان ما يجب أن يكون عليه موقف مجلس الأمة منها والمادة (100) التي أفردت إلى الوزير المسؤول مباشرة، يتضح من هذه المواد الصريحة الواضحة المترابطة التي يؤيد بعضها البعض الآخر التي شرعت خصيصا لموضوع تصديق الميزانية ان لا مناص من تصديق الميزانية من قبل المجلس في اجتماعه السابق لابتداء السنة المالية التي يرجع إليها قانون الميزانية ولا يجوز مطلقا مع هذه الصراحات اللجوء إلى تفاسير واستنتاجات لا تدعمها صراحة كالصراحة الموجودة في هذه المواد فيتضح من ذلك أن لا سبيل من الامتناع عن عرض الميزانية وتصديقها اللهم إلا إذا في حالة حل مجلس النواب حيث يصبح المجلس غير مجتمع وفي هذه الحالة وحدها تراعى ميزانية السنة الماضية على أن لا يخل بذلك بحق إصدار المراسيم المبحوث عنها في المادة (102 ) كما هو مصرح في المادة 107.

مبدأ التفريق بين السلطتين التشريعية والتنفيذية 

إن الرجوع إلى هذا المبدأ في تفسير مادة أو مواد من القانون الأساسي خاصة في مثل الأمر موضوع البحث على غاية ما يكون من الفائدة والضرورة إذ إن ذلك هو الذي ينير السبيل أمام الباحث ويوصله إلى معرفة الغرض الذي قصده المشرع  من تلك المادة أو المواد المطلوب تفسيرها . ليس هذا موطن بحث مبدأ تفريق السلطتين وما خصت به كل سلطة من حقوق وواجبات وإنما لا بد من الإشارة ولو بصورة موجزة إلى الغرض من وجود السلطة التشريعية . فالسلطة التشريعية إنما أوجدها الشعب من بين أفراده  بقصد مراقبة السلطة التنفيذية وفي مقدمة اختصاص السلطة التشريعية المصادقة على الميزانية والقوانين والميزانية أهم وسيلة لمراقبة السلطة التنفيذية ومحاسبتها والثقة بها او عدم الثقة فإذا جاز للسلطة التنفيذية أن تتجنب عرض الميزانية على السلطة التشريعية خاصة إذا كانت السلطة التشريعية غير راضية عن سلوك السلطة التنفيذية تكون السلطة التنفيذية بذلك في منجاة من المراقبة والمحاسبة في أهم عمل تشريعي أوجدت من اجله المجالس النيابية فتطغى السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية ويختل التوازن الذي رمى إليه مبدأ التفريق بين السلطات ونص عليه القانون الأساسي في بابيه الثالث والرابع .

للأسباب المبسوطة آنفا . اتفق مع القائلين أن لا مندوحة للحكومة لأجل معالجة الوضع الراهن للميزانية من إتباع احد أمرين إما حل مجلس النواب أو دعوة مجلس الأمة إلى الاجتماع لتصديق الميزانية العامة .

الموقع

صالح جبر

( نشر في الوقائع العراقية عدد 2411 في 3-10 - 1946)

 

احكام وقرارات المحكمة الاتحادية العليا مترجمة الى اللغة الانكليزية

shadow

مواضيع ذات صلة