آخر الاخبار

shadow

ماهية الاحكام والقرارات في القضاء الدستوري (قرارات المحكمة الاتحادية العليا في العراق انموذجاً)

القاضي- سالم روضان الموسوي

 

 

 

المقدمة

طالما اعتقدنا بان الحكم القضائي هو عنوان الحقيقة، ومعنى ذلك ان ما ينطق به الحكم القضائي هو الذي يعتد به ولا يعتد بسواه حتى وان كان الطرف الذي خسر الدعوى أو المتهم الذي أدين يعرف بالعلم اليقيني انه لم يفعل ما نسب إليه في الحكم القضائي، كما أصبح الاجتهاد القضائي الذي صب في قالب الحكم القضائي يشكل سابقة يعتمدها الآخرون عند التصدي للوقائع التي تتشابه مع ما فصل فيه ذلك الحكم ، وأصبح الكثير ممن يعملون في المجال القضائي يعتقدون بان ما اختزنته ذاكرتهم من أحكام قضائية عضدها تصديق محكمة التمييز[1] لها بأنها خزين يثري معرفتهم ويجعلهم ذو معرفة بمجال تخصصهم، إلا إن المشتغلين في نظرية المعرفة (الابستومولوجيا)  يعتقدون بأن من تنسب إليه المعرفة لابد وان يكون حائزا على موهبة إدراك الأشياء على نحو صحيح[2]، ونجد إن الحصول على أدلة الإثبات أو النفي للواقعة محل النزاع دائما لا تشكل معرفة والأحكام التي تبنى على هذه الوقائع تبقى عنوان للحقيقة وليس الحقيقة وهذا ما التفت إليه المشرع حينما جعل الأحكام تخضع للطعن لأجل التحقق من صحة ما ورد فيها وكثيرا ما تفسخ أو تنقض هذه الأحكام لان اعتقاد المحكمة الأعلى من تلك التي أصدرت الحكم قد تغير تجاه الأدلة على الرغم من إنها ذات الأدلة ولم يحدث عليها تغيير، لذلك فان قرار الحكم الصادر عن المحكمة الاتحادية العليا[3] يعد الحقيقة الكاملة لأنه بات ونهائي وملزم لكافة السلطات ولامناص من حكمه وغير قابل للنقض مما دعا المشرع أن يختار الأفضل والأكفأ من القضاة للمحكمة الاتحادية العليا التي تعد الحارسة على الدستور بما لها من صلاحية تفسير الدستور والنظر في دستورية القوانين وان من يتولى إدارتها والنظر في القضايا المعروضة عليها هم نخبة من الرجال الذين وصلوا بأفكارهم واجتهادهم القضائي إلى مستوى الحكماء المؤتمنين على الدستور وان اجتهادهم كان مبني على أسس المنطق وأصول التفسير واتبعوا وسائل الاستنباط الصحيحة، مما أعطى لقراراتهم التفسيرية صفة الثبات والاستقرار[4]، لذلك سأعرض موضوع الحكم القضائي وعناصره على وفق الآتي:

الفرع الأول

ماهية الحكم القضائي

 

 للوقوف على ماهية الحكم القضائي لابد من عرض مقتضب لتعريف الفقه القانوني للحكم القضائي ومن ثم بيان عناصر وأركان ذلك الحكم وسأعرض له على وفق الآتي:

  1. 1.  تعريف الحكم القضائي

ظهرت عدة تعاريف للحكم القضائي حتى إن البعض أشار إلى وجود نظريات في الأحكام تتقاذفها المدارس الفقهية المختلفة إلا أن الفقه القانوني يكاد يكون قد استقر على التعريف الآتي بأنه (القرار الصادر عن محكمة في حدود ولايتها القضائية في خصومه بالشكل الذي يحدده القانون للأحكام سواء كان صادر في نهاية الخصومة أو في أثناء سيرها وسواء كان صادر في موضوع الخصومة أو في مسالة إجرائية)[5] إلا أن مفهوم الحكم القضائي تطور فأصبح التمييز واجب بين القرارات التي تصدر لإعداد الدعوى أو الخصومة لتكون مهيأة للفصل فيها وتسمى قرارات إعدادية ليست فاصلة وبين الحكم النهائي الذي يفصل في النزاع وهو الذي يعول عليه في حماية الحقوق ويعتبر الحكم القضائي خاتمة المطاف في الخصومة ونقطة النهاية في سباق تصارع ناضل فيه ذوو الشأن بأساليب وأدوات وحجج قانونية وهو تتويج لجهود كبيرة وإجراءات طويلة قام بها الخصوم وممثلوهم والقاضي وأعوانه[6]، والحكم بمعناه الخاص في مذهب القانون المقارن هو (القرار الصادر من المحكمة المشكلة تشكيلاً صحيحاً ومختصة في خصومة رفعت إليها وفق قواعد المرافعات سواء كان صادر في موضوع الخصومة او في شق منها أو في مسألة متفرعة عنها)[7]

  1. 2.    أركان الحكم القضائي وعناصره

أهمية الحكم القضائي تستلزم أن يكون له وجود قانوني يعتد به ويعول عليه ويكون هذا الوجود بعد أن تتوفر له أركانه التي لا ينهض وجوده إلا بها وبإجراءات وقواعد محددة لإصداره و هذا الاتجاه نجد له اشارة في  قانون المرافعات المدنية العراقي رقم 83 لسنة 1969 المعدل حيث ذكر نص المادة (159) مرافعات التي جاء فيها (1 - يجب ان تكون الاحكام مشتملة على الاسباب التي بنيت عليها وان تستند الى احد اسباب الحكم المبينة في القانون . 2 - على المحكمة ان تذكر في حكمها الاوجه التي حملتها على قبول او رد الادعاءات والدفوع التي أوردها الخصوم والمواد القانونية التي استندت أليها) مثلما تجسد في قرارات عديدة أصدرها القضاء الاعتيادي في العراق عبر محكمة التمييز الاتحادية ومنها القرار العدد 582/هيئة مدنية/2014 في 20/8/2014 وجاء في ذلك الحكم نقض قرار محكمة البداءة الذي قضى برد دعوى المدعي وجاء في أسباب النقض إن المحكمة ردت الدعوى دون أن تبين سبب لهذا الرد لأن التسبيب هو حجة القاضي للناس)[8] وأفاضَ شراح قانون المرافعات في شرح هذه الأركان والعناصر ومنها تسبيب الحكم القضائي[9] كما يشير احد شراح القانون إلى أن أركان الحكم القضائي كما يلي :

الركن الأول : هو صدور الحكم من محكمة في حدود ولايتها القضائية

والركن الثاني: أن يصدر بموجب خصومة بالشكل المقرر قانوناً للأحكام وعناصره والمنطوق والأسباب[10].

 الركن الثالث: ويعتبر تشكيل المحكمة من القضاة من أركان الحكم القضائي حيث يرى بعض شراح القانون وجود فرضين الأول أن تشكل المحكمة التي تصدر الحكم من القضاة فقط[11] وهذا ما عليه حال المحكمة الاتحادية العليا حالياً لأنها  تتكون وتنعقد من قضاتها التسعة فقط وعلى وفق ما نص عليه حكم المادة (3) من قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم 30 لسنة  2005 التي جاء فيها الآتي (تتكون المحكمة الاتحادية العليا من رئيس وثمانية أعضاء يجري تعيينهم من مجلس الرئاسة بناء على ترشيح من مجلس القضاء الأعلى بالتشاور مع المجالس القضائية للأقاليم وفق ما هو منصوص عليه في الفقرة (ه) من المادة (الرابعة والأربعين) من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية) لكن في بعض الأحيان يكون أعضاء المحكمة بعضهم قضاة والبعض الآخر غير قضاة مثل محكمة الخدمات المالية التي تتكون من قضاة عدد (2) وثلاثة من الموظفين وعلى وفق ما اشر إليه القسم (الثاني عشر) من قانون البنك المركزي رقم (56) لسنة 2004 أو محكمة الأحداث التي تشكل من قاضي واحد وأعضاء ليس قضاة على وفق حكم المادة (45) من قانون رعاية الأحداث رقم (76) لسنة 1983 المعدل[12] وغير ذلك من التشكيلات القضائية ويرى بعض الشراح إن ذلك استثناء من القاعدة العامة التي تؤكد على ان يكون تشكيل المحاكم من القضاة فقط ولا يجوز التوسع فيه وتبقى الأحكام التي تصدر عن هذه المحاكم صحيحة وعلى وفق القانون ولا يطعن بصحتها[13] وهذا الأمر سيكون في حال إعادة تشكيل المحكمة الاتحادية العليا لاحقاً على وفق ما أشار إليه حكم المادة (92) من الدستور الدائم حيث تشكل المحكمة من قضاة وخبراء في الشريعة وخبراء في القانون. 

  1. 3.    تسبيب الحكم القضائي

يعد الحكم القضائي خاتمة المطاف في الخصومة ونقطة النهاية في سباق تصارع وناضل فيه ذوو الشأن بأساليب وأدوات وحجج قانونية، وهو تتويج لجهود كبيرة وإجراءات طويلة قام بها الخصوم وممثلوهم والقاضي وأعوانه، وهو واجب النفاذ وملزم لأطراف الدعوى، وأحيانا للكافة في بعض دعاوى القضاء الإداري ومثله القضاء الدستوري، وهذا الحكم لابد وان يكون بصياغةٍ تمكن الخصوم من معرفة ما ورد فيه ويتيح للمنفذ أن يعرف ماهية الفقرات الحكمية الواجبة التنفيذ وجهاتها، وهل هذا الحكم إعلاني (كاشف) يتعلق بإعلان حالة كانت قائمة قبل صدوره أم إنشائي يخلق مركزاً قانونياً جديداً اعتباراً من تاريخ صدوره، وهذه الخصائص وسواها توجب أن تكون صياغة الحكم القضائي بأسلوب من أساليب اللغة التي يكتب بها وفي العراق تكتب الأحكام القضائية باللغة العربية على وفق حكم المادة (4) من قانون التنظيم القضائي رقم 160 لسنة 1979 المعدل، وهذا الأمر يدعونا لمراعاة الأساليب الأدبية في كتابته، فضلا عن الأحكام القانونية الواردة فيه لابد وان تكون على وفق صياغات أساليب اللغة القانونية التي كتب بها النص، وبذلك نجد إن الحكم القضائي منذ لحظة الشروع في كتابته ولحين صيرورته حكماً نافذاً مبني على الصياغة اللغوية ويصب في قوالب أساليبها الأدبية والبلاغية، ولابد من توفر القاضي على المهارة اللغوية التي تستوجب المداومة على التفكير والتنظيم، أما كتابة الحكم القضائي ليس له أسلوب إنشائي خاص وإنما يكتب الحكم القضائي كما يرى القاضي وما يسطره قلمه[14]، لكن ذلك لا يمنع من إن كل فئة أو طبقة من المجتمع لها طريقتها الخاصة وأسلوبها المميز في استعمال اللغة كما قال ابن خلدون إن (لكل فن من الكلام أساليب تختص به) وللقضاة أسلوب يختلف عن غيرهم من أهل الفنون والعلوم الأخرى، ويرى بعض من كتب في هذا المجال إن الحكم القضائي يتضمن عدة أقسام(الديباجة والوقائع والأسباب والمنطوق) فالقسم الأول هو الديباجة ويراعى فيها أن تكون بجملة تركيبية طويلة وتأخذ هيئة الجملة الاسمية لأنها تضفي على الحكم القضائي الصفة الرسمية كونها تتناول معلومات تشكيل المحكمة واسم القضاة أو القاضي وتاريخ إصدار الحكم، والقسم الثاني عرض الوقائع ويتبع فيه أسلوب سرد الوقائع ويكون سردا لاحقا يحكي أحداث ماضية ودور القاضي فيه دور الراوي لان ذلك تمهيد للتحليل وإبداء الرأي ويكون من جمل تركيبية تربط مع بعضها بأدوات العطف والاستدراك، اما القسم الثالث وهو التسبيب وفيه تستخدم الجملة المركبة بتراكيب طويلة تتخلها كلمات مقيدة للمعنى أحياناً وأداة الربط بينها كلمات مثل (حيث ، بما ، بعد) لان الوظيفة الأساسية للجمل في الحيثيات والتسبيب هي حمل الحجة التي تبنى عليها عقيدة المحكمة عند إصدار الحكم وتتميز هذه الجمل بسمات ذكرها بعض الكتاب ومنهم سعيد احمد بيومي، أما القسم الرابع المتعلق بالمنطوق فان الجمل المستخدمة فيه جمل مستقلة عن بعضها وإن ارتبطت بواو العطف وتمتاز بالإيجاز والوضوح وتكون من تركيبين هما (قررت أو حكمت وكذلك ألزمت أو إلزام) وبجمل قصيرة غير طويلة، لذلك نرى إن اللغة وآدابها تحيط الحكم القضائي ولابد لمن يريد أن يتقن العمل عند إصدار الحكم القضائي أن يكون ملما بأدب الصياغة القضائية ولابد أن يميزها عن الصياغة القانونية لان صياغة الأحكام تكون مباشرة وحاسمة ولا وجود للاحتمالات أو التخمين فيها ومخصصة تجاه الواقعة محل العرض في الدعوى بينما الصياغة القانونية تتسم بالعبارات المرنة التي تستوعب الواقعة وقت صدور القانون أو التي ستحدث مستقبلاً ولا تختص بشخص عينه وإنما خطابها للجميع ، ومن الملاحظ إن بعض الكتاب في بلدان عربية وأجنبية تناولوا هذا الباب الذي يجمع بين اللغة والأدب والقانون والقضاء، إلا أن في العراق مازال هذا الموضوع غير مطروق ، ونأمل من أهل الاختصاص في اللغة والأدب العربي أن يلتفتوا إليه لإعداد الدراسات حول طبيعة تفرد القضاء العراقي بأسلوب صياغة أحكامه وتمييزه عن غيره من قضاء البلدان العربية، حتى تتوفر مؤشرات الاتجاه الذي يسير فيه القضاء عند تعامله مع اللغة في كتابة الأحكام القضائية والاطلاع على مدى مطابقة معايير استعمال أساليب اللغة العربية عند التدوين والتعامل مع المصطلحات الأجنبية والعربية لان القاضي عند كتابته يستعمل مصطلحات استقر العمل بها مثل ( الدعوى ، الخصومة ، المحل ، السبب ، الدفوع ...الخ) وهذه قد لا تكون واضحة لغير المختص ومطلوب شرح معناها لكن تستخدم بإيجاز في لغة الأحكام القضائية لأنها مصطلح يفهمه أهل الاختصاص والمصطلح كما عرفه البعض بأنه (الاصطلاح هو العرف الخاص، وهو عبارة عن اتفاق قوم على تسمية شيء باسم بعد نقله عن موضوعه الأول لمناسبة بينهما، كالعموم والخصوص، أو لمشاركتهما في أمر أو مشابهتهما في وصف أو غيرها) ويرى بعض المختصين إن لغة الحكم القضائي هي نمط خاص من أنماط اللغة العربية الفصحى المعاصرة  ولها بنيتها التركيبية والدلالية وأحيانا يتعامل القاضي مع فنون الأدب مثل الشعر ويستعين به في تسبيب الحكم الذي يصدره، وفي احد الأحكام القضائية أورد القاضي بيتاً للشاعر العربي الذي يقول فيه (لَعَمْرُك لولا البَيْنُ لا يُقْطَعُ الهوى .... ولولا الهوى ما حَنَّ لِلبَيْنِ آلِفُ) وكان يوضح من خلاله معنى (البين) التي تدل على البعد والمسافة او يستخدم بعض أبيات من القصيدة الرحبية التي كتبت في علم الفرائض وغير ذلك من الأمثلة التي وردت في الأحكام القضائية[15]. من الآثار التي تنجم عن عدم التسبيب في الاحكام القضائية هو بطلانها وجاء في الاسباب الموجبة لقانون المرافعات ما يؤكد هذا الاتجاه (وقد ذهب القانون إلى التشدد في تسبيب الاحكام قبل إصدارها وقبل النطق بها (159 و 160) وذلك لحمل القضاة على الا يحكموا في الدعاوى على أساس فكرة مبهمة لم تتضح معالمها أو مجملة غابت أو خفيت تفاصيلها ، وان يكون الحكم دائما نتيجة أسباب واضحة محصورة جرى على أساسها المداولة بين القضاة قبل النطق بها فاذا لم تودع الأسباب قبل تلاوة الحكم في يوم صدوره فان معنى ذلك ان القاضي قد نطق بالحكم قبل ان يتدبر في أسبابه أو ان الهيئة قد أصدرت الحكم قبل ان تتفق عليه وتستقر عقيدتها على أساس معين فيه ويكون الحكم قد خلا من هذه الضمانة التي يحرص عليها الشارع محلا البطلان وغني عن البيان إن التمسك بهذا البطلان يكون بطريق الطعن في الحكم بالاعتراض أو الاستئناف او التمييز بحساب القواعد والإجراءات المقررة لذلك) وبذلك فان الحكم الذي لا يتوفر على التسبيب او فيه قصور بالتسبيب يكون محلا للبطلان إذا طعن فيه بأي طريق من طرق الطعن، وأحيانا يتضمن الحكم تسبيباً لكن فيه قصور ويشير احد شراح قانون المرافعات المدنية الى (ان المحكمة ملزمة بان تحيط بالأسباب الواقعية والقانونية عن بصر وبصيرة فان جاءت قاصرة أدى هذا القصور إلى بطلان الحكم لأنه في هذه الحالة لا يكون قد حسم النزاع  لمل يتطلبه ذلك من الوقوف على كل عنصر من عناصره والتصدي إليه فان أغفلت المحكمة أي من هذه العناصر التي تمثل الواقع في النزاع فانه تكون قد قصرت في تحصيله ويكون قضاؤها مشوباً بالقصور في فهم الواقع وهو ما يجره إلى عدم الفصل في النزاع المطروح فيبقى النزاع معلقاً وكأن لم يصدر حكم فيه لذلك يكون الحكم المشوب بالقصور في أسبابه الواقعية حكماً باطلاً)[16]، ومن عيوب التسبيب التي توجب البطلان الآتي:ـ

  1. 1.    أن يكون خاليا من الأسباب ويعد بمثابة الخلو من الأسباب تناقض الأسباب التي وردت في الحكم
  2. 2.    أن تكون الأسباب عامة مجملة تصلح لكل طلب
  3. 3.    أن تكون الأسباب متعارضة مع منطوق الحكم
  4. 4.     أن يكون التسبيب جزئياً بمعنى أن تتعدد طلبات الخصوم ودفوعهم فلا تسبب المحكمة إلا لبعضها وتترك البعض الآخر بدون سبب[17]

ومن خلال ما تقدم فان الحكم الذي يصدر عن المحكمة الاتحادية العليا لا يختلف عن الحكم الصادر عن القضاء الاعتيادي من حيث الشكل لان المادة (19) من النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا رقم (1) لسنة 2005 لم يحدد قواعد خاصة لإصدار الأحكام وإنما تركها للقواعد العامة في قانون المرافعات المدنية وعلى وفق ما جاء في المادة (19) من النظام التي جاء فيها الآتي (تطبق أحكام قانون المرافعات المدنية رقم (83) لسنة 1969 وقانون الإثبات رقم (107) لسنة 1979 فيما لم يرد به نص خاص في قانون المحكمة الاتحادية العليا وفي هذا النظام) وعند النظر في أحكام المحكمة الاتحادية نجد إنها متوفر على عناصر الحكم القضائي وهي (الديباجة والوقائع والأسباب والمنطوق) فضلاً عن الحيثيات التي يحتويها من اجل أن يكون الحكم مشتمل على كافة أسبابه وتجد فيه تسبيب واضح وجلي لان المشرع العراقي أولى الأحكام اهتماماً خاصاً، فأشار لها في المواد (154-167) من قانون المرافعات رقم (83) لسنة (1969) المعدل ، وبين آلية إصدارها ، إذ ورد في نص المادة (159) مرافعات على وجوب اشتمال الحكم على الأسباب التي تستند عليها المحكمة عند إصدارها له ، وهذا يدل على بطلان الحكم الذي لم تذكر فيه الأسباب والعلل التي قادت المحكمة إلى بناء عقيدتها في الحكم ، كما إن الفقرة (2) من المادة المذكورة أوردت شرطاً آخر يتمثل في ذكر الأوجه التي حملت المحكمة على قبول أو رد الادعاءات والدفوع التي أوردها الخصوم والمواد القانونية التي استندت أليها ، بالإضافة إلى ذلك فان تسبيب الأحكام ضرورة علمية ومنطقية حيث إن الخصوم يدفع بعضهم بدفع تجاه خصمه لاعتقاده بان الحق مع دفعه الذي أبداه وهذا هو سبب الخصومة الأصلية وإلا لو اتفق الخصوم على ما لدى الآخر من أسباب لانتهت صفة الاختصام[18]

 

الفرع الثاني

ماهية القرار القضائي

إن المحكمة عند أدائها لمهامها تتخذ جملة من القرارات في الدعوى وهي غير الحكم الذي تصدره لحسم النزاع ويسمى (قرار) ويختلف عن الأمر الذي تصدره في القضاء الولائي الذي يسمى أمراً ويرى فقهاء القانون إن الحكم هو الذي يصدر من محكمة مختصة ذات سلطة قضائية ويعرف الحكم القضائي بأنه (القرار الصادر من محكمة في حدود ولايتها القضائية في خصومة بالشكل الذي يحدده القانون للأحكام سواء كانت صادرة في نهاية الخصومة أو أثناء سيرها وسواء كان صادرا في موضوع الخصومة أو في مسالة إجرائية)[19] ويعرف أيضا بأنه (كل أمر أو قرار يصدر من السلطة القضائية لأنه في العادة لا تعرف إرادة المحكمة في أمر من الأمور إلا بحكم تصدره)[20] وبذلك فان مصطلح القرار هو اشمل من مصطلح الحكم لان الحكم يصدر بقرار من المحكمة المختصة والمحكمة الاتحادية العليا لها أن تصدر الأحكام والقرارات على وفق ما ورد في المادة (5) من قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم (30) لسنة 2005 وعلى وفق النص الآتي (أولا – يدعو رئيس المحكمة أعضائها للانعقاد قبل الموعد المحدد بوقت كاف ويرفق بكتاب الدعوة جدول الأعمال وما يتعلق به من وثائق ولا يكون انعقاد المحكمة صحيحاً إلا بحضور جميع أعضائها وتصدر الأحكام والقرارات بالأغلبية البسيطة عدا الأحكام والقرارات الخاصة بالفصل في المنازعات الحاصلة بين الحكومة الاتحادية وحكومات الاقاليم والمحافظات والبلديات والإدارات المحلية فيلزم أن تصدر بأغلبية الثلثين) فضلا عن نص المادة (94) من الدستور التي اعتبرت كل ما يصدر عن المحكمة الاتحادية العليا هي قرارات وعلى وفق النص الآتي (قراراتالمحكمةالاتحاديةالعلياباتةوملزمةللسلطات كافة) وقد قضت المحكمة الاتحادية العليا بان قرارها التفسيري يعتبر بات ونافذ وملزم للسلطات كافة بما فيها السلطة القضائية وذلك على وفق قرارها العدد 45/ت.ق/2014 في 11/8/2014 وهذا ما يؤكد ان مصطلح القرار هو اعم واشمل من مصطلح الحكم لان كل حكم هو قرار وليس كل قرار حكم حيث يشير بعض الكتاب إلى وجود نوعين من الأحكام الأولى تسمى الوقتية او التمهيدية وهي التي لا تنتهي بها الدعوى وانما تنظم سير العمل في الدعوى والأخرى تسمى نهائية وهي التي تفصل في النزاع وترفع يد المحكمة من النظر في الدعوى[21] وفي قانون المرافعات المدنية إشارة واضحة إلى إن مصطلح قرار يفيد الحكم النهائي أحياناً حيث جاء في نص المادة (210) مرافعات الآتي (بعد إكمال التدقيقات التمييزية تصدر المحكمة المختصة بنظر الطعن قرارها على احد الوجوه التالية) بمعنى إن محكمة التمييز تصدر قراراً في الطعن المقدم إليها ولا تصدر فيه حكماً لكن من حيث النتيجة هذا القرار حاسم ونهائي ولا يمكن الرجوع عنه إلا عن طريق الطعن فيه بالتصحيح على وفق حكم المادة (219) مرافعات بينما في المواد التي نظمت إصدار الحكم في الدعوى التي تنظر بدرجة أولى أو التي تنظر بدرجة ثانية في مرحلة الاستئناف فان المشرع استعمل مصطلح الحكم حيث أشار في المادة (156) مرافعات إلى ذلك على وفق النص الآتي (إذا تهيأت الدعوى لإصدار الحكم تقرر المحكمة ختام المرافعة . ثم تصدر حكمها في ذات اليوم أو تحدد للنطق به موعدا آخر لا يتجاوز خمسة عشر يوما من تاريخ تفهيم ختام المرافعة) وكذلك عند نظر الدعوى في المرحلة الاستئنافية فان ذات الأحكام التي تنظم إصدار الحكم في المرحلة الأولى أي مرحلة البداءة هي التي تنظم إصدار الحكم في المرحلة الاستئنافية وعلى وفق حكم المادة (195) التي جاء فيها الآتي (أحكام هذا القانون المتعلقة بالدعوى والمحاكمة والحكم وغيرها التي يجري العمل بها في محاكم البداءة تكون مرعية في محاكم الاستئناف أيضا) واعتقد إن المشرع قد فرق بين الحكم الذي يتخذ بمواجهة الطرفين أي بدعوى ويتخاصم فيها طرفان في جلسة مرافعة و بين القرار الذي يتخذ دون مرافعة، لان القرارات الحاسمة والتي لها قوة الحكم الفاصل في النزاع هي القرارات التي تصدر دون مواجهة الخصوم مثل قرارات محكمة التمييز التي تفصل في الطعن المقدم إليها دون حضور أو مواجهة الخصوم ودون مرافعة وإنما فقط تدقيق أوراق الدعوى والطلبات والمستندات لذلك أرى إن المشرع الدستوري قد اخذ بمصطلح القرارات بدلاً من الأحكام وعلى وفق ما جاء في المادة (94) من الدستور لأنه يدرك إن للمحكمة الاتحادية العليا أن تصدر بعض أحكامها دون أن تدعو الطرفين ودون مواجهة مثال ذلك دورها في تفسير النص الدستوري وهذه القرارات لابد وان تصدر وهي متوفرة على أركان الحكم القضائي المشار إليها سلفاً وهذا ما أشارت إليه المادة (3) من النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا رقم 1 لسنة 2005 وعلى وفق النص الآتي (اذا طلبت احدى المحاكم من تلقاء نفسها، أثناء نظرها دعوى، البت في شرعية نص في قانون او قرار تشريعي او نظام او تعليمات يتعلق بتلك الدعوى فترسل الطلب معللاً الى المحكمة الاتحادية العليا للبت فيه، ولا يخضع هذا الطلب الى الرسم) وكذلك اذا كان الطلب مقدم من جهة رسمية اخرى غير المحاكم وعلى وفق حكم المادة (5) من النظام الداخلي وهذا الطلب تنظر فيه المحكمة دون دعوة الخصوم ودون انعقاد المحكمة بجلسة علنية لان الجلسة العلنية والمرافعة تكون في حال تقديم دعوى من الذين لهم الحق في اقامتها والذي اشارت اليه المواد (1، 4، 6) من النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا.ومن خلال العرض نجد ان القرار القضائي الدستوري الذي تصدره المحكمة الاتحادية العليا له سمات تختلف عن الحكم القضائي الدستوري ومن هذه السمات الآتي :

  1. 1.    ان القرار يصدر بعد المداولة والتدقيق في المستندات والطلبات المرسلة طي الطلب دون مرافعة ودون جلسة علنية وليس بمخاصمة بين طرفين النزاع وهذا ما أشارت إليه الفقرة (1) من المادة (209) مرافعات التي جاء فيها الآتي(تنظر المحكمة المختصة بنظر الطعن في الطعن باجراء التدقيق على أوراق الدعوى دون ان تجمع بين الطرفين ولها ان تتخذ أي اجراء يعينها على البت في القضية.) وهذا النص مقارب لنص الفقرة (4) من المادة (263) من قانون المرافعات المدنية والتجارية المصري رقم 13 لسنة 1983 المعدل التي جاء في بعض فقراتها الاتي (وبعد أن تودع النيابة مذكرة بأقوالها ، يعين رئيس المحكمة المستشار المقرر. ويعرض الطعن على المحكمة فى غرفة مشورة . فإذا رأت المحكمة أن الطعن غيرمقبول لسقوطه أو بطلان إجراءاته ، أو إقامته على غير الأسباب المبينة فىالمادتين 248 ، 249 أمرت بعدم قبوله بقرار يثبت فى محضر الجلسة مع إشارةموجزة لسبب القرار وألزمت الطاعن بالمصروفات فضلاً عن مصادرة الكفالة) ويشير احد الكتاب إن الأصل في نظر الطعن بغير مرافعة شفوية[22] كذلك عرف بعض الكتاب المداولة بأنها التفكير وتكوين الرأي او تداوله بالمناقشة بين أعضاء المحكمة للوصول الى الشكل والمضمون النهائي للحكم[23] أما عن كيفية إجراء المداولة فان القانون لم يرسم طريق محدد لها لكن بعض شراح قانون المرافعات أشاروا إلى ان المداولة تكون بعدة صور منها همساً بين الأعضاء إثناء الجلسة بين القضاة مجتمعين بعد المرافعة هذا في الدعاوى التي فيها مرافعة وأحيانا في غرفة المشورة أو المداولة[24]
  2. 2.    إن المحكمة غير مقيدة في الانعقاد في مكان مخصص عند إصدار القرار القضائي لان لأعضائها أن يتداولوا في الطلب ويدققوا الأسانيد والمرفقات في أي مكان سواء في غرفة الرئيس أو احد الأعضاء أو غرفة المداولة أحيانا ولم يحدد المشرع مكان معين او طريق محدد يلزم إتباعه في إجراء المداولة وهذه تترك للسلطة التقديرية للمحكمة حسب ظروف كل دعوى من الدعاوى[25] وأحيانا خارج بناية المحكمة ويشير احد شراح قانون المرافعات إلى إمكانية إجراء المداولة في منزل رئيس المحكمة او احد الأعضاء أو في نادي القضاة[26] والمحكمة الاتحادية العليا بما لها من سلطة تقديرية في كيفية إجراء المداولة حيث لا يوجد نص قانوني صريح يبين كيفية المداولة سواء في قانون المرافعات المدنية أو قانون المحكمة الاتحادية العليا أو في النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا لذلك نجد ان المحكمة الاتحادية قبلت إجراء المداولة للبت في طلب مقدم من رئيس الجمهورية بواسطة الاتصال الهاتفي، لان عدد من قضاتها كانوا خارج العراق والحاجة إلى إبداء الرأي كانت ملحة يتوقف عليها مصير العملية الدستورية والسياسية وكان ذلك بموجب قرارها التفسيري العدد 45/ت.ق/2014 في 11/4/2014 وهذا ما يميز القرار التفسيري القضاء الدستوري عن غيره من القرارات التي تصدرها المحاكم الاعتيادية.
  3. 3.    في الحكم القضائي المحكمة ملزمة أن تصدر حكمها بجلسة علنية وبحضور طرفي الدعوى وفي قاعة المرافعة المخصصة لها وليس في أي مكان آخر وعلى وفق ما أشارت اليه المادة (156) من قانون المرافعات المدنية العراقي رقم 83 لسنة 1969 المعدل التي جاء فيها الآتي (إذا تهيأت الدعوى لإصدار الحكم تقرر المحكمة ختام المرافعة . ثم تصدر حكمها في ذات اليوم او تحدد للنطق به موعدا اخر لا يتجاوز خمسة عشر يوما من تاريخ تفهيم ختام المرافعة) بمعنى جلسة اخرى ويعرف شراح القانون جلسة المحكمة بأنها (اجتماع تقف المحكمة خلاله على ادعاءات الخصوم وتستمع إلى مرافعاتهم وتطلع على لوائحهم قبل أن تصدر حكمها وتكون علنية)[27] والمشرع رسم شكل معين ومراسم خاصة للنطق بالحكم وذلك في جلسة تحدد له سواء في جلسة إفهام ختام المرافعة لأنها تكون ممتدة أو جلسة مستقلة وعلى وفق الإلزام الوارد في المادة ( 161 ) مرافعات وان تكون هذه الجلسة علنية لان النص لم يرد فيه ما يشير إلى جعلها سرية مثلما أشار إلى ذلك في جلسات المرافعة وعلى وفق ما تقدم ذكره، وعلانية النطق بالحكم تشكل ضمانة أساسية من ضمانات القاضي التي كفلها الدستور عندما أشار إلى ان جلسات المحاكم تكون علانية وعلى وفق المادة (19/7)[28] من دستور عام 2005 وان يكون النطق في جلسة يتعلق بالإحكام دون غيرها من القرارات الأخرى أو القرارات التي تصدر من غير المحاكم مثل لجان تدقيق قضايا المتقاعدين او لجان التدقيق الضريبي وغيرها، لأنها لجان طعن وليس محاكم وقراراتها وان كانت لها قوة إلزام ، إلا أنها لا تصدر على وفق المراسم التي رسمها قانون المرافعات للأحكام ويشير شراح قانون المرافعات إلى أن لحظة النطق بالحكم هي لحظة الولادة الحقيقية له لان الحكم المكتوب ما هو إلا مشروع حكم سيتم النطق به وعند النطق يصبح الحكم حقا لأحد الخصمين وفي لحظة النطق بالحكم يخرج النزاع عن ولاية المحكمة التي أصدرته ويحوز حجية الشيء المحكوم به[29]. وقد أشار الشراح إلى أن النطق يجب ان يكون في جلسة علنية حتى لو كانت الدعوى قد تمت جلساتها بشكل سري وخلاف ذلك يكون الحكم باطلاً[30]
  4. 4.    ان قانون المحكمة الاتحادية العليا ونظامها الداخلي لم يذكر صراحة من الجهة التي لها حق طلب التفسير الدستوري لذلك اجتهدت المحكمة الاتحادية وحددت الجهات التي لها حق طلب التفسير الدستوري الذي تصدره المحكمة بقرار قضائي واستقرت على مبدأ مهم يتعلق بالأشخاص الذين لهم حق طلب التفسير ففي قرارها العدد 26/اتحادية/2008 في 23/6/2008 الذي جاء فيه لا يقبل تفسير نص دستوري ما لم يقدم من (مجلس الرئاسة او مجلس النواب او مجلس الوزراء او الوزراء) ولا يقبل من منظمات المجتمع المدني او الأحزاب وفيه حددت جهات الطلب فقط بمجلس الرئاسة الذي كان قائم في الدورة الأولى وحل محله رئيس الجمهورية لاحقاً ومجلس النواب ومجلس الوزراء والوزراء فقط  ولم تقبل الطلب من غير هؤلاء الأشخاص سواء كانوا أحزاب او كتل سياسية أو منظمات مجتمع مدني وأكدت هذا الاتجاه في قرار آخر بالعدد 30/اتحادية/2009 في 4/5/2009 الذي قررت فيه بان الجهـات الرسميـة فقـط لهـا الحـق في طلب الفصل في شرعية قانون او قرار تشريعي أو نظام أو تعليمات أو أمر.
  5. 5.    وجدت بان المحكمة الاتحادية العليا قد أشارت في قرارها العدد 57/اتحادية/2009 في 16/9/2009 برد طلب كتلة نيابية بإبداء الرأي في موضوع معين والمحكمة لم ترد الطلب لانه مقدم من جهة غير رسمية مثلما فعلت في قرارها العدد 26/اتحادية/2008 في 23/6/2008 وارى ان السبب في ذلك ان الطلب الوارد في قرار المحكمة الاتحادية العليا يدخل ضمن اختصاصها النوعي والوظيفي لذلك نظرت فيه وتحققت من توفر صاحب الطلب على الشروط المطلوبة أما في القرار 57/اتحادية/2009 في 16/9/2009 فان الطلب أصلا لا يقع ضمن اختصاصها النوعي أو الوظيفي لذلك قضت برده ابتداءً لان المحكمة ملزمة بالبحث أولا في اختصاصها النوعي أو الوظيفي ثم تنظر في صفات الخصوم وأهليتهم القانونية وهل يتوفر على أهلية التقاضي وقانون المرافعات المدنية العراقي رقم 83 لسنة 1969 المعدل قد التفت إلى ذلك بان جعل الاختصاص الوظيفي أولاً ثم النوعي وفي المرحلة الثالثة المكاني ففي باب الاختصاص جعل الفصل الأول في المادة (29) مرافعات الاختصاص الوظيفي وفي الفصل الثاني المادة (31) مرافعات الاختصاص النوعي وفي الفصل الثالث الاختصاص المكاني في المواد (36) وما بعدها وهذه التراتبية تحتم على المحكمة ان تراعيها بمعنى أول ما تبحث فيه هو اختصاصها الوظيفي بمعنى هل لها الولاية فإذا تحققت من ذلك تبحث هل إنها مختصة نوعياً فإذا كانت مختصة تذهب إلى البحث في شروط الدعوى الأخرى أما إذا وجدت إنها غير مختصة نوعياً فإنها لا تبحث في الدعوى أصلاً وإنما ترفض النظر فيها بالنسبة للمحاكم التي لا نظير لها في المنظومة القانونية مثل المحكمة الاتحادية التي لا تناظرها أي محكمة إما في المحاكم الاعتيادية بالإمكان إحالة الدعوى إلى المحكمة المختصة نوعيا التي تقع ضمن أعمالها[31] 

الخاتمة

من خلال ما تقدم بحثه نجد إن الحكم القضائي في القضاء الدستوري لا يختلف عن الحكم القضائي في القضاء الاعتيادي او الإداري من حيث الشكل والأركان الواجب توفرها لكن يختلف من حيث المضمون والأثر الملزم ودرجة البتات التي يتمتع بها عن غيره من الأحكام القضائية لان المحكمة الاتحادية العليا في العراق تكون قراراتها باتة ونهائية على وفق ما جاء في نص المادة (94) من الدستور العراقي لعام 2005 التي جاء فيها الآتي (قرارات المحكمة الاتحادية العليا باتة وملزمة للسلطات كافة) وكذلك في نص الفقرة (ثانياً) من المادة (5) من قانون المحكمة الاتحادية العدد (30) لسنة 2005 التي جاء فيها الآتي (الأحكام والقرارات التي تصدرها المحكمة الاتحادية العليا باتة) وفي نص المادة (17) من النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا رقم 1 لسنة 2005 التي جاء فيها الآتي (الأحكام والقرارات التي تصدرها المحكمة باتة لا تقبل أي طريق من طرق الطعن) وبما ان الدستور وقانون المحكمة الاتحادية العليا والنظام الداخلي لم يتطرق إلى موضوع حجية الحكم او القرار الذي تصدره بوصفها محكمة دستورية فان نص المادة (19) من النظام الداخلي قد أحال كل ما لم يرد به نص في الدستور أو القانون أو النظام إلى قانون الإثبات رقم (107) لسنة 1979 المعدل وعلى وفق النص الآتي (تطبق أحكام قانون المرافعات المدنية رقم (83) لسنة 1969 وقانون الإثبات رقم (107) لسنة 1979 فيما لم يرد به نص خاص في قانون المحكمة الاتحادية العليا وفي هذا النظام) وهذا يماثل تماما ما عليه في حجية أحكام المحكمة الدستورية العليا في مصر حيث اعتبر الفقه الدستوري المصري ان سند حجية أحكام المحكمة الدستورية هو ما ورد في قانون الإثبات المصري رقم 25 لسنة 1968 الذي قرر في المادة (101) منه على حجية الأحكام وحيازتها الأمر المقضي به[32]، وبذلك فان حجية الحكم او القرار الصادر عن المحكمة الاتحادية العليا منذ لحظة صدوره يكون بات وله حجية الأمر المقضي به ويكون حجة على الكافة وانه يعد من القرائن القانونية القاطعة على وفق ما تقدم ذكره لان قانون الإثبات العراقي اخذ بمبدأ اعتبار حجية الأحكام بمثابة قرينة قانونية قاطعة كذلك المحكمة الاتحادية العليا لها صلاحية اصدار قرارات لتفسير النصوص الدستورية بناء على طلب ودون حضور أي طرف وكلا النوعين من القرارات له حجية الشيء المحكوم به والقرار القضائي كما تقدم ذكره هو القرار الذي يصدر بناء على طلب احد الأشخاص الذين يجوز لهم طلب الاستفسار ولا يشترط فيه حضور صاحب الطلب وعلى وفق ما تقدم ذكره و حجيةذلك القرارالتفسيري للدستوروالصادر عنالمحكمةالاتحادية العليايحوزحجيتهالمطلقةعلىالكافةعلى وفق ما جاء في المادة (94) من الدستور التي جاء فيها الآتي (قرارات المحكمة الاتحادية العليا باتة وملزمة للسلطات كافة) والذي أكدته في قرارها العدد 45/ت.ق/2014 في 11/8/2014 الذي جاء لتأكيد حجية وإلزامية قرارها التفسيري العدد 25/اتحادية/2010 في 25/3/2010 وهذا الأمر لم يقتصر على دستور العراق بل وجد له ما يماثله في دساتير بعض البلدان العربية حيث نصعليهدستورالمملكةالمغربيةفيالفصل 143 التي جاء فيها الآتي (لاتقبلقراراتالمحكمةالدستوريةأيطريقمنطرقالطعن،وتلزمكلالسلطاتالعامةوجميعالجهاتالإداريةوالقضائية)[33] وهذا المفهوم اثر في طبيعة تنفيذ تلك الأحكام من حيث أثرها الرجعي أو الفوري[34].

 

 

 

 

 

المصادر

  1. 6.    الدكتور احمد ابو الوفا ـ نظرية الاحكام في قانون المرافعات ـ دار المطبوعات الجامعية في الاسكندرية ـ طبعة عام 2007
  2. 7.    المستشار الدكتور إبراهيم محمد حسنين اثر الحكم بعدم دستورية قانون الجمعيات الأهلية ـ منشورات دار الكتب القانونية في القاهرة ـ طبعة عام 2006 ـ
  3. 8.    الدكتور اسامة روبي عبدالعزيز الروبي ـ الوسيط في شرح قانون المرافعات المدنية والتجارية ـ ج2ـ منشورات دار النهضة العربية القاهرة طبعة عام 2006
  4. 9.    المستشار أنور طلبه ـ بطلان الأحكام وانعدامها ـ منشورات المكتب الجامعي في الإسكندرية ـ ط 2006
  5. 10.   دنكان بريتشارد ـ ما المعرفة ـ إصدار سلسلة عالم المعرفة الكويتية
  6. 11.   القاضي سالم روضان الموسوي ـ الدستور والقانون والقضاء خواطر نقدية ـ الطبعة الأولى عام 2016 ـ منشورات مكتبة صباح في بغداد
  7. 12.   القاضي سالم روضان الموسوي ـ الحكم القضائي بعضه قانون وكله أدب ـ منشور في الموقع الالكتروني لمجلس القضاء الأعلى http://www.iraqja.iq/view.3179/
  8. 13.   القاضي سالم روضان الموسوي ـ احكام واراء في القانون والقضاء ـ منشورات مكتبة صباح في بغداد ـ طبعة عام 2014
  9. 14.   القاضي سالم روضان الموسوي ـ حجية أحكام المحكمة الاتحادية العليا واثرها الملزم ـ دراسة تطبيقية مقارنة منشورات مكتبة الصباح في بغداد عام 2017 ـ طبعة أولى
  10. 15.   سعيد احمد بيومي ـ لغة الحكم القضائي دراسة تركيبية دلالية ـ الطبعة الأولى عام 2007ـ مكتبة الآداب في القاهرة ـ
  11. 16.   الدكتور محمد سعيد عبدالرحمن ـ الحكم القضائي أركانه وقواعد إصداره ـ منشورات الحلبي الحقوقية ـ بيروت الطبعة الاولى عام 2011
  12. 17.   القاضي عبدالرحمن علام ـ منشورات المكتبة القانونية في بغداد ـ الطبعة الثانية
  13. 18.   المستشار عزالدين الدناصوري وحامد عكاز ـ التعليق على قانون المرافعات المصري ـ الطبعة الثانية عشر
  14. 19.   دستور العراق لعام 2005
  15. 20.   قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969 المعدل
  16. 21.   قانون الإثبات رقم (107) لسنة 1979 المعدل
  17. 22.   قانون رعاية الأحداث العراقي رقم (76) لسنة 1983 المعدل
  18. 23.   قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم 30 لسنة 2005
  19. 24.   قاعد التشريعات والتنظيمات العراقية على شبكة الانترنيت
  20. 25.   الموقع الالكتروني للمحكمة الاتحادية العليا في العراق https://www.iraqfsc.iq/index.php


[1] وهي أعلى هيئة قضائية في القضاء الاعتيادي في العراق وتماثل محاكم النقض او التعقيب في البلدان العربية

[2]دنكان بريتشارد ـ ما المعرفة ـ إصدار سلسلة عالم المعرفة الكويتية ـ ص 19

[3] وهي المحكمة الدستورية في العراق التي تعد أعلى هيئة قضائية في السلطة القضائية

[4]القاضي سالم روضان الموسوي ـ الدستور والقانون والقضاء خواطر نقدية ـ الطبعة الأولى عام 2016 ـ منشورات مكتبة صباح في بغداد ـ ص232

[5]الدكتور محمد سعيد عبدالرحمن ـ الحكم القضائي أركانه وقواعد إصداره ـ منشورات الحلبي الحقوقية ـ بيروت الطبعة الاولى عام 2011ـ ص24

[6]الدكتور محمد سعيد عبدالرحمن ـ مرجع سابق ـ ص 17

[7]الدكتور احمد ابو الوفا ـ نظرية الاحكام في قانون المرافعات ـ دار المطبوعات الجامعية في الاسكندرية ـ طبعة عام 2007 ـ ص37

[8]قرار منشور في قاعد التشريعات والتنظيمات العراقية على شبكة الانترنيت

[9]للمزيد انظر عبدالرحمن علام ـ منشورات المكتبة القانونية ـ الطبعة الثانية ـ ج3ـ و المستشار عزالدين الدناصوري وحامد عكاز ـ التعليق على قانون المرافعات المصري ـ ج2 ـ الطبعة الثانية عشرـ ص 1669 

[10]للمزيد انظر محمد سعيد عبدالرحمن ـ مرجع سابق ـ ص 21

[11] الدكتور محمد سعيد عبدالرحمن ـ مرجع سابق ـ ص37

[12] نص المادة (45) من قانون رعاية الاحداث رقم (76) لسنة 1983 المعدل (تنعقد محكمة الاحداث برئاسة قاض من الصنف الثالث في الاقل وعضوين من بين المختصين بالعلوم الجنائية أو العلوم الاخرى ذات الصلة بشؤون الاحداث لهما خبرة لا تقل عن خمس سنوات . وتنظر في الجنايات وتفصل بصفة تمييزية بقرارات قاضي التحقيق وفق أحكام هذا القانون)

[13] الدكتور محمد سعيد عبدالرحمن ـ مرجع سابق ـ ص 82

[14]سعيد احمد بيومي ـ لغة الحكم القضائي دراسة تركيبية دلالية ـ الطبعة الأولى عام 2007ـ مكتبة الآداب في القاهرة ـ ص 34

[15]القاضي سالم روضان الموسوي ـ الحكم القضائي بعضه قانون وكله أدب ـ منشور في الموقع الالكتروني لمجلس القضاء الأعلى http://www.iraqja.iq/view.3179/

[16] المستشار أنور طلبه ـ بطلان الأحكام وانعدامها ـ منشورات المكتب الجامعي في الإسكندرية ـ ط 2006 ـ ص426

[17]للمزيد انظر عبدالرحمن علام ـ مرجع سابق ـ ص 190

[18] القاضي سالم روضان الموسوي ـ احكام واراء في القانون والقضاء ـ منشورات مكتبة صباح في بغداد ـ طبعة عام 2014ـ ص169

[19]محمد سعيد عبدالرحمن ـ الحكم القضائي أركانه وقواعد إصداره ـ مرجع سابق ـ ص 25

[20]عبدالرحمن العلام ـ مرجع سابق ـ ج3 ـ ص 161

[21]الدكتور احمد ابو الوفا ـ مرجع سابق ـ ص425

[22]الدكتور اسامة روبي عبدالعزيز الروبي ـ الوسيط في شرح قانون المرافعات المدنية والتجارية ـ ج2ـ منشورات دار النهضة العربية القاهرة طبعة عام 2006ـ ص273

[23]الدكتور اسامة روبي عبدالعزيز الروبي ـ مرجع سابق ـ 33

[24]الدكتور اسامة روبي عبدالعزيز الروبي ـ مرجع سابق ـ ص34

[25]الدكتور محمد سعيد عبدالرحمن ـ مرجع سابق ـ ص233

[26]الدكتور محمد سعيد عبدالرحمن ـ مرجع سابق ـ ص 236

[27]الدكتور محمد سعيد عبدالرحمن ـ مرجع سابق ـ ص 221

[28](نص الفقرة سابعاً) من المادة (19) من دستور العراق لعام 2005 (جلساتالمحاكمعلنيةٌإلاإذاقررتالمحكمةجعلهاسريةً)

[29]عبدالرحمن علام ـ شرح قانون المرافعات المدنية ـ ج 3 ـ مرجع سابق ـ ص206

[30]الدكتور اسامة روبي عبدالعزيز الروبي ـ مرجع سابق ـ ص38

[31]للمزيد انظر القاضي عبدالرحمن العلام ـ مرجع سابق ـ ج1ـ ص322

[32] المستشار الدكتور إبراهيم محمد حسنين اثر الحكم بعدم دستورية قانون الجمعيات الأهلية ـ منشورات دار الكتب القانونية في القاهرة ـ طبعة عام 2006 ـ ص226

[33] للمزيد انظر القاضي سالم روضان الموسوي ـ حجية أحكام المحكمة الاتحادية العليا واثرها الملزم ـ دراسة تطبيقية مقارنة منشورات مكتبة الصباح في بغداد عام 2017 ـ طبعة أولى ـ ص 259

[34] للمزيد انظر القاضي سالم روضان الموسوي ـ حجية أحكام المحكمة الاتحادية العليا واثرها الملزم ـ مرجع سابق ـ ص 403

 

 

احكام وقرارات المحكمة الاتحادية العليا مترجمة الى اللغة الانكليزية

shadow

مواضيع ذات صلة